في كتاب هندسة المواصلات الذي كان مقررا على طلبة الهندسة المدنية، في الجامعة، فصل عن تصميم الطرق السريعة. في هذا الفصل مادة تتناول الحدود الآمنة والأبعاد القياسية لأجزاء الطريق، ويعتبر حرم الطريق على جانبيه جزءا مهما لا يمكن التهاون في تصميمه والأخذ بالمواصفات القياسية المقررة له، والتي منها المسافة من طرف الطريق، التي يجب تركها خالية مما يؤثر على الرؤية أو يجذب الانتباه، وهذا لحماية الناس والممتلكات على جانبي الطريق. وفيها أيضاً، أن حرم الطريق السريعة، إن كانت بأربعة مسارات مفصولة، لا يقل عن 300 قدم (90 مترا تقريبا). وفيما لحق المواصفات من تطوير، أضيف الجانب البيئي، بعد أن أدرجوا البعد الجمالي، لما له من أثر على نفسية السائق وراحة المسافر.
وعندما تكون على طريق الحرمين السريعة في اتجاه العاصمة المقدسة، تسترجع ما قرأت وتعلمت في الجامعة، ولا تجد الكثير منه على هذه الطريق. تقترب المنشآت كثيرا، ولا تبعد عن طرف الطريق إلا أمتارا معدودة، لا تتحقق بها أهداف المواصفات القياسية. وتشعر باختناق الطريق باللوحات الدعائية العشوائية في مقاساتها وتعدد أشكالها، ومواقعها.
فماذا تجد، لو كنت على الطريق السريعة بين مدينة جدة ومكة المكرمة؟ في أولها تجد ما يشبه الكسارات القديمة، مهملة منسية، تناقض الخلفية الجميلة للطبيعة من كثبان الرمال، وتفسد ألوانها، وكأنما لوحة هاجمها النمل الأبيض.
وفي منتصف الطريق قريبا من بحرة، تشهد عبث الإنسان على حقيقته، فإلى جانب منطقة صغيرة، لم تمتد إليها أيدينا، ولم نبالغ بعد في تشويهها، ترتفع أعداد اللوحات الإعلانية بشكل مفزع وبعضها بأحجام مرعبة.
بعدها بقليل وفي مكان أكثر هدوءا ترى الجبال السوداء وكثبان الرمال الذهبية في انسجام مع الطبيعة التي خلقها الله وكما خلقها الله. وبعد موسم الأمطار تكتسي هذه الأماكن الرملية المفتوحة وسفوح الجبال حلة الربيع الخضراء فتحيل المنظر إلى لوحة فنية جميلة، يستريح بها النظر.
بعد ذلك بأميال قليلة، تعود كثافة اللوحات الإعلانية إلى سابقها، إلى أن يصبح الطريق الذي كان منظراً قبل قليل، صورة مشوهة فيها الشذوذ والمتناقضات، فالطريق وعلى جانبيه أشجار وشجيرات مصفرة وقليلة الأوراق، يذكرك النسيان.
وبعد أن تتجاوز منطقة الشميسي، تظهر لك مباني المستودعات، قابعة على جانب الطريق وعليها مسحة من الكآبة تعكسها الألوان المتبلدة، التي ضربتها عوامل التعرية، وتركها أهلها دون صيانة، وتسأل من معك "متى سنصل"؟
وعندما تتقدم في الطريق إلى مكة المكرمة، يلفت النظر ويثير الانتباه وجود مبان سكنية قريبة جدا من الطريق السريعة، بل وحتى إنك ستجد مدرسة يرتادها مئات الأطفال الصغار، ويلعبون في باحاتها التي لا يبدو أنها تبعد أكثر من خمسين مترا عن حافة الطريق.
هنا تشعر بوجود خلل، ويأتيك إحساس أنه ليس التلوث البصري الذي أحدثته المنشآت والكتل الخرسانية، في المنظر العام فقط ما يثير الانتباه، وتدرك، حالا، أن قرب هذه المنشآت من الطريق ووظيفتها كمساكن أو مدارس، يمضي فيها الصغار ساعات طويلة يوميا، هو الذي يثير التساؤلات.
ففي دراسة بقسم العلوم البيئية بجامعة الملك عبد العزيز، خلصت إلى أن تلوث الهواء بالمركبات الكربونية والغازات السامة المنبعثة من عادم السيارات يتزايد كلما اقتربنا من حافة الطريق، وأن التلوث الهوائي يمتد إلى أكثر من مئتي متر في العمق من الحدود، وأن تركيز المواد العالقة أو الغبار الناتج عن حركة السيارات واحتكاك العجلات بأرضية الطريق، يتناسب في الهواء، عكسيا مع المسافة من حافة الطريق.
وثبت علميا أن غازات العادم تحتوي على تركيزات عالية من الملوثات الكيماوية الخطيرة، بما في ذلك التي تتسبب في أمراض السرطان. ففي دراسة لمكتب تقويم الأخطار والبيئة الأميركي، وجد الباحثون أن التلاميذ في المدارس القريبة من الشوارع المزدحمة أكثر عرضة للأزمات التنفسية والنوبات الصدرية والالتهاب الشعيبي من أقرانهم، ممن هم في المدارس البعيدة عن مصادر التلوث. ووجدوا في دراسة أخرى علاقة قوية بين الإقامة في أماكن قريبة من الطرق المزدحمة وأمراض القلب والجهاز التنفسي عند الراشدين. وعلى موقع وكالة حماية البيئة الأميركية دليل إرشادي للحفاظ على جودة الهواء داخل المدارس القريبة من الطرق المزدحمة.
ومن الموثق أنه يرتفع قريبا من الطرق السريعة، مستوى التلوث الضوضائي الذي يصدر عن حركة السيارات والشاحنات واصطدامها بالهواء، إضافة إلى أصوات المحركات والضجيج الناتج عن احتكاك العجلات بأرض الطريق، ومن الثابت، الأثر السلبي للتلوث الضوضائي على تحصيل الأطفال ومزاج الراشدين.
قد لا يكون الأمر سيئا وملحوظا في وقتنا الحاضر، فالمدرسة في فضاء مفتوح يتحرك فيه الهواء بحرية ويعمل على تخفيف حدة التلوث، لكن ما سيكون عليه بعد عشرين عاما غير معروف. لا نعرف ما سيؤول إليه الحال، عندما تنبت المنشآت السكنية والتجارية وغيرها في المنطقة، وتحبس حركة الهواء، ويرتفع بذلك مستوى التلوث.
إن تخطيط الطرق وهندستها علم وفن، والبعد البيئي واحد من أهم الجوانب المعتبرة في ذلك. كما أن هناك مقاييس ومعايير لبيئة مدارس الأطفال، فلماذا لا تؤخذ في الاعتبار؟ أم إن الجانب البيئي وأثر التلوث على صحة الأطفال قد سقط سهوا!