أتاحت لي الفرصة مشاهدة أعرق مدن الشمال عرعر، في زيارة خاطفة لأداء مهمة عمل هناك، فتذكّرتُ هذه المدينة الوادعة على خط التابلاين عبر سنين مضت تلفهُا الرياح من كل جانب، وأبرز ما هنالك الخدمات الطبية التي كانت شركة التابلاين تقدمُها لمواطني عرعر وما حولها، وتذكرت أول زيارة لها عام 1395 كنت يَومَها على متن شاحنة نقل من حفر الباطن إلى عرعر مروراً برفحاء، أرقب مبانيها ودورها ومحالها التجارية والبادية التي تأتي إليها من كل صوب وخاصة من بادية العراق التي تَبعُد بحوالي كيلو مترات لا تزيد عن 50 كيلو، وتشاهد جلب الأغنام كتجارة اشتهرت بها عرعر هذه المدينة الربيعية، وتمتاز بخضرتها وقت الشتاء وفصَل الربيع، كما تشاهد تلك البيوت المرسومة على الرمال المحيطة والقريبة منها للبدو الرَّحل.

إنها أيام لا تنُسى، ثم قفزَتْ هذه المدينة بعد عام 1396 فأقر صندوق التنمية العقارية الذي غيَّر وجه المدينة وتوسّعت الدولة بالتعليم والكهرباء والصحة، وأنشأت مدينة للأمن العام وللحرس الوطني حتى اكتظّتْ بالسكان على مدى سنوات، ورأينا كيف تمددت شمالاً وجنوباً، ثم قمت بزيارتها عام 1409، وتجولت عبر برنامج جولة في مدينة فرأيتُ نهْضة جديدة تأخذُك في أبعاد التنمية شيئاً فشيئاً، لكن بعد مرور ثلاثة عقود من الزمن فقد زرتها في احتفالية جميلةٍ رأيتُ حيَنها التغَّير الذي أصبحت معه عرعر مدينة مترامية الأطراف على جانبي وادي عرعر الشهير، ورأيت السدود ومنافذ التنمية والنقلة التجارية ومشاريع الطرق التي يحدث مثلها في مناحي المملكة في عهد رؤية الخير للملك سلمان بن عبدالعزيز، حتى أصبح كل مواطن في عين سلمان ومحمد حرصا على وصول التنمية إلى أعالي الجبال والسهول وأطراف المملكة، ولا تكاد ترى مدينة أو محافظة أو مركزاً إلا وتجدُ فيه التطوير نفسه ومشاريع التنمية، وهذا ما حدث بالفعل في منطقة الحدود الشمالية عرعر وما حولها، وهذا ما أعلنه الملك وفقه الله حين تسلم قيادة هذه البلاد، قال: إن المواطن في أعيننا وتنَميته ورفاهيتُه من أولوياتي، وسنحرص على إيصال التنمية إلى كافة مناطق المملكة.

لقد كانت فرصة أن أرصد مدى ما يحدث من تنمية في هذا العصر الزاهر الذي تنفذ فيه الرؤية من أجهزة الدولة المتنوعة، وهذا ما حدث بالفعل، وهو نقل صور التنمية التي تجلّت في عرعر كأنموذج لما هو عليه مناطق المملكة العربية السعودية، في سباق مع التنمية التي يقودها الملك حفظه الله، وتنفّذ برامجها وفق رؤية سمو ولي العهد 2030.

ولهذا لا يمكن لعجلة التنمية أن تقف عند حد معين ولهذا نتابع التقارير التي يطلع عليها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية بين فترة وأخرى، ويطمئن على وصول منجزات الدولة إلى شَّتى المناطق دون تمييز، وهو نهج أكده الملك في أكثر من مناسبة، واليوم عندما نتحدّث عن نموذج من محافظات المملكة نريد نقل هذا الملَفْت الرائع لتنمية مُسْتدامٍة يسعد بها المواطن في أي بقعةٍ على هذه البلاد، بل حتى وصلت خيرات هذا البلد إلى كلَّ مقيم أتُيحت له الفرصة أن يعيش في هذه الدولة، وهذا ما نتشّرف به في السعودية إن تَنميتنا تشمل المواطن والمقيم على حد سواء في مملكة الإنسانية التي وصل خيرها إلى العالم. بُوركْت جهود المخلصين من أبناء هذا البلد وفي مقدمتهم شباب وأمراء المناطق الذين دفعوا بالتَّنمية في عروق الوطن كلّه، وبارك الله في تنمية يعود خيرها على الجميع.