أهداني قريب من قلبي وإليه كتاب «فرسان العشق الإلهي»، لكاتبه الدكتور عمار علي حسن، أحد الكتاب المرموقين المتخصصين في علم الاجتماع السياسي، في مصر الشقيقة، وطلب مني أن أقرأه، كما قرأه هو، ثم أعطيه رأيي، وآثرت أن أقدم له ما أراد، ولكن على الملأ؛ ولا سيما أن نشر الرأي، في مثل المسائل التي مسها الكتاب ينفع ولا يضر.
كتاب الفرسان، يمثل سيرا ذاتية لشخصيات ومشايخ ميزهم الله تعالى بمواهب متعددة، من أبرزها الصفاء والتسامح والزهد والمعرفة؛ وينتمون بحسب تصنيفات محبي التصنيف إلى تيارات سلوكية وتربوية مختلفة، جمعها المؤلف في كتاب واحد، بعد أن نشرها مفرقة في إحدى الصحف، قبل سبع سنوات ـ 42 شخصية من أبرزها: الجنيد والرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي والشاذلي وغيرهم ـ، ويذكر المؤلف في الصفحة العاشرة من كتابه: «حاولت في سرد هذه الشخصيات أن أتبع منهجا واحدا، وسعيت إلى أن أدقق النظر، وأوزن المعنى، حتى نحط خبرا بكل الآراء والمواقف حول الشخصية التي نعرضها؛ آراء ومواقف المادحين والقادحين، فلا إجماع على أحد، ولا كرامة لنبي في وطنه، والتاريخ اختيار، وما يكتب عن إنسان، صغر أو كبر، في أي زمان وأي مكان لا يخلو من هوى، ولا ينجو أحيانا من ضعف»؛ ويرى المؤلف أن كتابته لهذه الشخصيات جاءت في الوقت الذي أطلت فيه رؤوس دينية جامدة خامدة، ادعت امتلاك الحقيقة، وظنت أنها التجسيد والتمثل الأساسي والوحيد للإسلام، وقصرت لقب «العلماء» على حفنة من رجالها يحفظون بعض الكتب القديمة، يقدسون مؤلفيها من البشر، ويعتقدون أنها العلم الصرف، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
بشكل مختصر أقول، قد نتفق مع غالب أو بعض شخصيات الكتاب، وقد لا نتفق، وهذا حق مكفول لكل إنسان؛ ولكن غير المنطقي هو أن يكون عدم الاتفاق نابعا عن تخيلات أو أوهام مشيقة، أو تصنيفات معينة، فـ«الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذ بها»، و«الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق»، وهذا معناه أن الكلمة المفيدة التي لا تنافي نصوص الشريعة، لا ينبغي للمؤمن أن ينصرف عنها، بل الأولى الاستفادة منها والعمل بها من غير التفات إلى قائلها، ثم إن تاريخنا الماضي، وهذا بدون جدال، كان حافلا بشخصيات، لا يشك عاقل، في أنها أعظم من كثير من شخصيات تاريخنا الحالي؛ الذين أتفق مع المؤلف في أنها شخصيات منغلقة، ركزت على المنظر لا المخبر، والمظهر لا الجوهر؛ حبسوا الإسلام العظيم في مجموعة من الأمور الشكلية العابرة، ووظفوه في قضية الصراع على السلطة والثروة، وتاجروا بدين الله تعالى، وصدعوا رؤوس الناس بصراخهم وبضجيجهم وبأقوالهم المكررة والمعلبة والجاهزة، التي لا روح فيها ولا حرارة؛ ولا شك أن التقليد على خطأ خطأ، والتقليد لفلان من الناس لأنه تقي فقط غير مقبول، وهذا الحكم هو نفسه مع الذين لا يهتمون بالأدلة الشرعية، أو الذين يأخذون الأمور على علاتها.