نشأت مجموعة في بريطانيا سمت نفسها «بريطانيا أولاً» سنة 2011 على يد شخص يسمى جيم دونسون، كان معروفا بنشاطاته وعلاقاته غير المقبولة من الليبراليين البريطانيين، لكنه قرر أخيرا اختيار قضية تجعله مقبولا من البسطاء أو رجل الشارع، مستغلا الأوضاع الثقافية واعتداءات الإرهابيين وداعش ليستنهض الشعب البريطاني ضد ما يسمى أسلمة بريطانيا، فادعى أن الأجانب يستولون على وظائف البريطانيين، والمجتمع البريطاني يتغير ولم يعد يمثل الثقافة البريطانية، فأطلق حملة بريطانيا أولاً وانضم إليه آلاف البريطانيين، والآن يرأس الجماعة عنصري آخر هو ناشط سياسي بريطاني اسمه بول قولدنج.

ثم بدأ سياسي اسمه نايجل فراج، مؤسس حزب «الاستقلال» البريطاني، يظهر وبنفس الدعوى يحارب المهاجرين بخداع رجل الشارع البريطاني الذي أعجبته الفكرة، خاصة عندما تقنعه بأرقام مبالغ بها أن ما يحدث سيقضي على بريطانيا، استطاع هؤلاء أن يخرجوا بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد أن اقتنع الناخب البريطاني أن الاتحاد الأوروبي أغرقهم بالمهاجرين، واليوم تستعد الشركات العالمية لمغادرة بريطانيا حاملة معها مئات الوظائف الرفيعة التي يشغلها غالبا بريطانيون، هم مخرجات تعليم مميز استطاع دائما المنافسة، وكان خيارا مميزا لمن يرغب في تشغيل شركاته التي كفل لها الاتحاد الأوروبي مناخا عظيما ومميزا.

صحيح بريطانيا امتلأت بالأجانب من البشرات البنية كما يصرخ أفراد جماعة بريطانيا أولا، لكنهم كانوا يعملون في وظائف لا يشغلها بريطانيون، مثل السباكة والكهرباء والطرق والبناء والبيع في المحلات، ولقد تفاجأ البريطانيون بعد التصويت على الانسحاب أن كل ما قيل لهم كان خداعا، خاصة مع ارتفاع تكاليف الأيدي العاملة التي بدأت في الخروج، وبدأت فرنسا تستعد لاستقبال الشركات العالمية وسط بكائيات البريطانيين ولطمهم.

أود القول إن المثقف البريطاني لم يشارك في تلك الحملات، وحذر كثيرا منها، ونشرت الجارديان العديد من المقالات توضح حقيقتهم، وكذلك التايمز وغيرها، لأنها وإن كانت عبارة جميلة وتلامس الوطنية في النفوس، إلا أنه لا يوجد بلد في العالم لا يحتاج للأجانب، ومثل هذه العبارات تستحث النفوس المتعبة على إظهار كراهيتها، وقد تقود لإبعاد الاستثمار، وهو مطمح أي بلد يريد النهوض باقتصاده.