لا يختلف الكثير أن أميركا لا تمتلك أي إستراتيجية واضحة إزاء كل القضايا التي تعصف بالشرق الأوسط. بل الواضح أن الإدارة الأميركية تتخذ قراراتها ربما بشكل يومي وبطرق مختلفة، ففي أسبوع واحد تجد الكثير من المتغيرات والقرارات المتضادة. ورغم تعاقب الإدارات الأميركية واختلاف قراراتها وتدخلاتها وتحالفاتها إلا أن الذي يجمع كل تلك الإدارات هو خلق نوع من الفوضى الخلاقة وعدم الاستقرار في المنطقة. ولهذا فوضع المنطقة يسوء مع كل إدارة. ويجب ألا نعتب على ذلك الدور الأميركي، فهي -أي أميركا وحلفائها من الغرب- يبحثون عن مصالحهم، وما عبارات حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرهما إلا من باب التسويق السياسي ومسوغ للتدخلات في شؤون الآخرين. ورغم ظهور عدد من المواقف الإيجابية الحالية كالموقف من إيران وإرهابها في المنطقة، إلا أنه موقف ينقصه الفعل الصادق. لقد استفدنا من الدروس السابقة واستوعبنا أن نضع إستراتيجيتنا بأيدينا بعيدا عن العواطف، وأن نصنع تحالفاتنا بمقدراتنا وأن نرهب أعداءنا بقدراتنا، وأن ندافع عن حدودنا وجيراننا وعروبتنا وإسلامنا بجيوشنا، وأن ندير مصالحنا ندا بند.

نعود ونقول إننا لا نعتب على الدور الأميركي والغربي في عدم إيجاد الاستقرار والحل الجذري لتلك القضايا الشائكة والعالقة منذ قرون، ولكننا نعتب على الذي كان جارا وأخا ومصيرا مشتركا، فخان كل العهود والمواثيق وتآمر على الإسلام والعروبة وكل القيم.

كان ربيعا عربيا كارثيا، أورث الخراب والدمار في كل البلاد فقتل الأطفال وشرد الأبرياء وورث الإرهاب، وأحال الدار أثرا بعد عين. كانت الفوضى القطرية هي من أسقطت النظام الليبي وتركته شعبا ممزقا لاحول له ولا قوة، ثم كان دعمهم لحكم الإخوان في مصر، فكانت أرض الكنانة على وشك السقوط لولا تدخل العقلاء فحمى الله بهم مصر وأهلها. ثم حل الغراب القطري ناعقا في أرض الشام فأحالها إرهابا وخرابا.

لم يكتفوا بخيانة الصديق البعيد ولكنهم طعنوا الأخ والجار كطعنة (بروتس الشهيرة) فحرضوا على الفتنة الطائفية في البحرين، ودعموا ميليشيات الحوثي بالمال والسلاح لتهديد حدود جارهم الأكبر.

الدور القطري في تلك الثورات ذكرنا بدور الخنازير في رواية مزرعة الحيوان للروائي الإنجليزي جُورج اوُريل، الذي كان يصف فساد الثورات على يد قادتها ومموليها بسبب الانحراف والجهل والطمع، وأن المطالبات المشروعة قد يدمرها أولئك الوصوليون المتاجرون بالبشر والحجر. الرواية تتحدث عن ثورات أطاحت بأنظمة قد تكون فاسدة لتمارس فسادا أشد وأكبر. ولم تنس تلك الخنازير وهي تقود ذلك الربيع الثوري العربي أن تؤهل الكثير من النعاج والكلاب والتي تمارس الثغاء والنباح على كل من ينتقد تلك الثورات أو يقف ضدها.

هوت الثورة ولم يصمد المشروع القطري فكان لزاما عليهم أن يدفعوا فاتورة الدمار وأن يتحملوا مسؤوليتهم أمام التاريخ وأمام البقية من الشرفاء.