الحوار الإسلامي المسيحي، وبين المسلمين والمستشرقين قضية دقيقة، خاصة وأن لدى الغرب كما كبيرا من الدراسات الاستشراقية حول الإسلام، ولها تأثيرها الكبير في أوساط المؤسسات الدينية هناك. المستشرقون فيهم المتعصب الكاره للإسلام، وفيهم المعتدل النزيه المنصف؛ وهذا يستدعي عدم قطع الصلات مع المستشرقين المعتدلين، ومواصلة الحوارات التي تجمع المسلمين معهم، ولا سيما أن أبرز نتائج الحوارات المتقدم ذكرها دعم مواقف المستشرقين المنصفين، والاستفادة منهم في تصحيح الصور الخاطئة عن الإسلام، وفي نفس الوقت تخفيف حدة اغترار المسلمين بالمستشرقين، وأفكارهم غير المتوافقة مع الإسلام الصحيح..

العقبات التي تواجه أنصار الحوار بين الشرق والغرب متعددة، ومع هذا فإنه لا يصح أن تثنينا عن مواصلة الحوار، خاصة وأن مشتركات كثيرة موجودة بين الأديان السماوية بصفة عامة، وبين الإسلام والمسيحية بصفة خاصة، وفي مقدمة ذلك، الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح، قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، وتعد هذه الأسس ركائز راسخة للانطلاق والتعاون المأمول بين مختلف الديانات، في حل مجموعة من المشكلات؛ كمحاربة التطرف، وحماية الأسرة، ومنع الحروب، ومكافحة الفقر والجهل والمرض، والتصدي للإلحاد، والإدمان وغير ذلك..

الناس اليوم شركاء في كل شيء، وثقافاتهم متقاربة جدا، ولا مجال للتعالي، أو تفضيل شريعة الغاب، ومن هنا كان من أهم أساسيات إنجاح هذا النوع من الحوارات، الانصياع إلى الأسلوب الحضاري في التعامل، وخلق جو من التسامح، وعدم ضيق الصدر من الآراء المختلفة أو المخالفة لرأي الآخر، ومناقشة الفكر بالفكر، وعدم الخروج عن الموضوعية، أو التجريح الشخصي..

قد يقول قائل إن الحوارات التي تقام هنا وهناك مجرد شكل من أشكال العلاقات العامة؛ وقد يكون قائل ذلك محقا، إذا كانت الحوارات خالية من الاعتراف بالآخر، أو من الاحترام المتبادل، أو انعدمت كفاءة المتحاورين، أما إن توفر ما سبق، وزدنا عليه الوضوح التام، فستكون الحوارات ناجحة جدا، بل ومطلوبة؛ ومن هذا الوضوح مثلا أن نقول إن قوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام..}، يعني الإسلام بالمعنى العام، أي الاستسلام والخضوع لله، وهو ما تشترك فيه كل الأديان، ولا يعني ذلك الإسلام التاريخي، أو دين الإسلام، إلا لو قلنا إن الإسلام خاتم للرسالات، ومعترف بما سبق من رسل.. {..كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله..}، {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا..}.