الإنسان في تصوري يتكون من روح ونفس وجسد، وليس كما هو متعارف أنه من روح وجسد فقط، ولكل من هذه المكونات غذاؤه، كي يستطيع أن يعيش الإنسان متوازنا مع ذاته ومحيطه، الروح غذاؤها التشبع بالاطمئنان الديني، والجسد غذاؤه الأكل والشرب والجنس، والنفس غذاؤها تحقيق الشعور بالرضا خلال ترفيهها؛ كالاستمتاع بالفنون وممارسة الهوايات الترفيهية والرياضية، وقد يقول القائل إنما النفس أمارة بالسوء، فكيف نحرص على تغذيتها لتشعر بالرضا؟! للأسف هذا ما ترسخ في أذهاننا نتيجة التربية التقليدية التي تعزز أن النفس إنما هي الأمارة بالسوء، وينبغي كبتها وقمع غرائزها وتجاهلها وإلا سنرتكب المعاصي، فنحن مثلا نحرم الاستماع للموسيقى حتى لا تميل النفس إلى القلب وتؤدي بنا لمعصية؛ أي سداً للذرائع، وقيسوا على هذا الكثير، وأتساءل: أين أصحاب هذا الزعم عن النفس اللوامة والنفس المطمئنة، وقد ذكرهما القرآن الكريم أيضا، وبالتالي إنما النفس تتجاذبها "الأمّارة" و "اللوامة"؛ أيهما يطغى على الآخر لتحقق لها الطمأنينة؟! هذا ما يُترك لإرادة الإنسان الذي هداه الله تعالى "النجدين" كي يحاسب على اختياره في الآخرة، بحسب كيفية تحرير عقله حيث يبصره بأمر الخير والشر. وأعود للقول إن نقص تغذية أحد الثلاثة "الروح والنفس والجسد"، سيؤدي إلى توعك البقية، والنتيجة اختلال توازن الإنسان في تصرفاته وتفكيره.
وبشفافية نقترب من ملاحظة ظهور حالة من "المزاجية الغاضبة" أحيانا بيننا، وأخرى من الملل والرتابة في أكثرنا، إن كانوا عابرين أو في العمل أو أثناء الوقوف عند إشارة المرور أو في البيت مع الزوجة والأولاد أو تراها مع شيء من "التعصيب" خلال قيادة الآخرين لسياراتهم، هذا يقطع الإشارة بعصبية! وآخر يسب ويشتم آخر لأنه لم يتركه يمر قبله! ولا بأس من مشاهدة مصارعة حرة، ولا شك أن معاناتنا من عبء التقاليد الاجتماعية التي أكثرها وليد "الخصوصية" أو "القبلية" أو "المدنية" بجانب عبء الحياة المادية الحديثة ومتطلباتها في ظل طبيعة مناخنا الحار معظم العام؛ هي من أهم أسباب استمرارية سوء الحالة النفسية وتعكر المزاج لدى أكثرنا، ولهذا يحتاج أكثرنا إلى استراحة نفسية ربما أسبوعية يحصل خلالها على ترفيه بريء، يساعده في التخلص من طاقته السلبية ويعمل على الارتقاء بشعوره ووجدانه، كأن يذهب مع أسرته أو الأصدقاء لقضاء وقت ممتع لمشاهدة مسرحية أو سينما أو زيارة متحف للفنون الجميلة أو سيرك وربما الانضمام إلى رحلة سفاري عائلية رياضية ضمن مرشدين في أحد الجبال أو السهول أو أي جغرافية لدينا، إلا أنه في ظلّ عدم توفر كل هذا؛ أدى ذلك إلى طغيان الحالة النفسية العصبية خلال دائرة الروتين اليومي، فـ"الذي نصبح فيه نبات فيه" كما يقول أكثرنا، وبالتالي سوء المزاج النفسي بات من أهم أسباب مآزقنا الأسرية وأمراضنا الأخلاقية التي تتطور لأفعال مؤذية نقرؤها في الصحف اليومية من كثرة نسب الطلاق والإساءة للنساء، وحوادث العنف الأسري التي وصلت لمستوى الجرائم، فهذا قتل ابنته تعذيبا، وشاب يقتل أمه بالمطرقة، وآخران يقتلان والدتهما طعنا بالسكين ويدعيان التلبس بالجان، وأخ يقتل شقيقته برصاصة بدعوى المزاح، وقد تكون أيضا سببا لأن يؤذي بعضهم أنفسهم، نقرؤها في أخبار الانتحار التي باتت مفزعة لدى الفتيات أكثر من الشباب، ناهيك عن حالات الهروب والإدمان والتحرش الجنسي والشذوذ، وكثيراً ما نتساءل: لماذا هذه الحوادث العنيفة والأخلاقية في ظل تربيتنا الدينية منذ الصف الأول الابتدائي لآخر مراحلنا الجامعية؟ لماذا رغم هذا الكم الهائل من خطب الجمعة وآلاف المناشط الدعوية ومخيماتها؟! صحيح نحن مثل غيرنا من المجتمعات الإنسانية؛ فينا الصالح وفينا الطالح، ولكن رغم هذا المحيط المتدين لماذا بات السلبي أكثر ما نقرؤه، والواجب هو العكس؟!
بصراحة، الأسئلة وكل ما سبق يرجعني إلى بداية المقال، هناك نقص في كيفية تغذية الجانب المهم في حياتنا وهو الجانب النفسي؛ إننا نتجاهله، فحياتنا تخلوا من وسائل ترفيهية تشعرنا نفسيا بالسعادة والإشباع المطمئن، وكل وسائلنا الترفيهية مع الأسف تركز على أحد اثنين فقط؛ إما الجانب الروحاني، فنرى آلاف الفعاليات الدعوية، وإما الجانب الجسدي فنرى كل يوم مولات كبرى مجهزة بكافة المطاعم والمقاهي، حتى حين نخرج لنزهة عائلية ليس لدينا سوى الرحلات البرية أو الرحلات البحرية وسلة مليئة بالأطعمة والحلويات، فيما يلجأ آخرون إلى تعدد الزوجات أو العلاقات العبثية، والتي ازدادت مع وجودنا في العالم الافتراضي العنكبوتي وهو الآخر يدفعنا إليه الفراغ النفسي، ويبقى تجاهل الجانب النفسي اجتماعيا ضمن وسائل الترفيه البريئة للكبار، في ظل شح الفعاليات الترفيهية والرياضية المتنوعة إلا في المواسم وفي أيام معدودة من السنة أو اللجوء للسفر صيفاً، وهو ليس متوفراً للجميع، كما أنه من وسائل الإشباع النفسي الوقتية، وكثيرون يسيئون التصرف فيه لأنه كذلك، وهكذا لا يجد الجانب النفسي سبيلا لتغذيته سوى عن طريق أحد أمرين، إما عن طريق التطرف في إشباع المكون الجسدي وهو الغالب علينا الآن؛ فقد تحول الأكل لدى أكثرنا إلى وسيلة للترفيه لا وسيلة للعيش تصاحب مناسباتنا الاجتماعية والترفيهية، ولهذا لا نستغرب تفشي أمراض السكر والسمنة وارتفاع ضغط الدم، أما الأمر الثاني فعن طريق التطرف في إشباع الجانب الروحي؛ حيث تتحول العلاقة الروحانية بين الفرد وبين الله تعالى إلى قضية نضالية لفرضها على الآخرين، وانتصاره في تسليط الضوء عليه؛ يشعره بالزهو ويشبعه نفسيا، لكن نضاله هذا قد يُدخله دائرة الغلو والتعصب الديني؛ وربما هو ما دفع بعض الشباب المتحمسين والبالغين إلى تبني الفكر المتطرف الإرهابي، خاصة أن بعض من قبض عليهم ضمن الخلايا الإرهابية هم من مستويات تعليمية عليا، ولا يعانون من بطالة، لكنهم حتما يعانون من فراغ نفسي أوقعهم في وهم القضية النضالية التي أشبعتهم بما ليس في صالح أمن المجتمع.
أخيرا، من المهم جداً أن يتجه المجتمع للاهتمام بوسائل الترفيه البريئة التي تشبع الأفراد نفسيا بشعور الرضا، وتعلمها الرقي بإحساسها وتؤدي بها إلى علاقة متوازنة مع بقية مكونات الجسد الإنساني، نحن بحاجة لذلك لكي نقضي على سلبياتنا، ولن يكون إلا من خلال الفنون الجميلة وإتاحة الفرصة لإقامة فعاليات وأنشطة ترفيهية عائلية ورياضية تدفع بالأفراد وبالتالي المجتمع إلى صحة نفسية متوازنة.