منذ فجر البشرية الأول، والمرأة هي سَكَن الحياة وأنفاسها العطِرة، ونبضها الخفي، فلم يكن آدم وهو النبي الذي خلقه الله -عز وجل- بيده ليستطيع الحياة دون امرأة تسكن إليها روحه، حتى إن الروايات التاريخية تذهب إلى أن آدم -عليه السلام- عندما نزل مرغما من الجنة هبط في الهند، فيما هبطت حواء في جدة، ونهب الأرض نهبا في البحث عنها حتى وجدها في عرفات. كما ورد في بعض المصادر (مثل الكامل في التاريخ)، وإن كان ليس هناك أدلة شرعية تدعمها، لكن ذلك لا يغير شيئا في فضل المرأة وأدوارها العظمى التي قامت بمعظمها في الظل أو الخفاء، وهو الأمر الذي تلخصه المقولة الشهيرة «وراء كل رجل عظيم امرأة»، فكلمة وراء تشرح بإيجاز دور المرأة الخفي، حيث يحجب ظهورها الرجل العظيم الذي دفعته للنجاح.
وحدث ذلك غالبا لأن المرأة كانت تريد ذلك حبا في هذا الرجل الذي تريده أن يصبح عظيما، سواء كان أبا أو زوجا أو ابنا أو أخا أو حفيدا، فلا تبالي بالدماء النازفة من أصابعها الرقيقة طالما كانت النتيجة وردة حمراء تسر الناظرين، ولا تبالي بلسعات النحل المؤلمة طالما ستجني العسل، حتى لو استمتع بالوردة وتلذذ العسل شخص سواها.
فالمرأة مخلوق رقيق جُبل على حب العطاء والإيثار والوفاء دون منة أو أذى، لا سيما إذا نجح هذا العظيم في انتزاع حبها وثقتها، فإنها تحمله بجناحيها إلى سموات الألق والنجاح، دون أن تتوقف لحظة لالتقاط صورة مع شمس الشهرة والظهور، وتاريخ البشرية يحتفظ بمئات القصص الخالدة في هذا الشأن.
أما تاريخنا المشرق فيروي لنا صفحات مضيئة من تاريخ المرأة العظيم، ابتداء من السيدة العظيمة خديجة بنت خويلد ودورها الخالد في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرورا بعشرات الصحابيات والتابعيات، والتابعات لهن بإحسان، مثل والدة الفقيه ربيعة بن فروخ التي جعلته مفتي المدينة قبل أن يبلغ العشرين، رغم اختفاء والده، وهي ما زالت تحمله في بطنها، ومقولة أم الإمام الشافعي لابنها الشاب «اذهب لطلب العلم وأنا أكفيك ما سواه»، تشرح لنا الأدوار الكبرى التي قامت بها في حياة ابنها، وليس انتهاء بالسيدة السعودية الأولى الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ودورها المشرف لكل امرأة سعودية في حياة أخيها البطل المؤسس الملك عبدالعزيز، غفر الله لهما.
ولأنني أميل دائما إلى القدوات الحية والمعاصرة، لكونها الأكثر تأثيرا والأعمق نفعا، فقد التقطت لكم دور المرأة الحي في حياة شاب سعودي طموح وناجح هو الدكتور هاني بن طلال الجهني، أخصائي جراحة المخ والأعصاب بفرنسا وحاصل على الزمالة الفرنسية، عضو هيئة تدريس بجامعة القصيم، تخصص دقيق في جراحات العمود الفقري والأورام العصبية والأوعية الدموية، حيث يجري فريق هذا الطبيب السعودي -وأقول السعودي وكلي غبطة وسعادة واعتزاز- أكثر من 2500 عملية سنويا ما بين جراحة مخ وعمود فقري في مركز كولمار الذي يصنف كثالث أفضل مركز من نوعه في فرنسا، والذي لا يعلمه الكثير أن هذا النجم الساطع انتشلته امرأة من براثن الضياع وقدمته للعالم جوهرة مشعة يذهب سنا نورها بالأبصار والألباب، هذه المرأة هي والدة هذا الطبيب، فقد بقيت الأم العظيمة متمسكة ببصيص الأمل الخافت الذي يبشرها أن ابنها الضائع قد يعود من بعيد، لكن الابن كاد يطفئ هذا الأمل الضعيف عندما أصر على الهجرة إلى أميركا دون أي هدف يذكر سوى الهروب من فشله، ولم تستطع أن تسلمه إلى شوارع أميركا وهو شاب أعزل من كل شيء، فأهدته شيئين هما كل ما تملك: مالها ودموعها، وغادر الشاب منزل أهله في المدينة المنورة وجيبه ممتلئ بمال أمه وقميصه مبلل بدموعها، وبالطبع كانت دعواتها تحيطه من كل مكان، وكل ذلك لم يكن له أي أثر ظاهر عليه في ذلك الحين، لكنه آتى ثماره بعد حين، حيث احتاج الشاب بعض الوقت ليتذكر دموع والدته وتضحياتها من أجله، ويقرر بعد ذلك تغيير مسار حياته بالكامل من أجل تلك الدموع الطاهرة، ولكم أن تتخيلوا كيف واجهت تلك الأم الأيام الطويلة الصعبة في غيابه ولوم اللائمين وتأنيب المحيطين وشماتة الشامتين وخيبة الأمل الكبرى في ابنها الذي كانت تعلق عليه الآمال العظام.
حتى عندما عاد إلى صوابه، وارتاد الطريق الذي يليق به كشاب مسلم، استمرت في دعمه وكأنها تمسك المستقبل المشرق لابنها بين يديها، ولم تتركه حتى سلمته لامرأة أخرى هي زوجته التي آزرته في رحلة كفاحه المضنية، فكانت سراجه المنير في لياليه الحالكة التي عاشها أثناء دراسته في كلية الطب، حيث تعثر عدة مرات حتى كاد يتخلى عن حلمه البعيد وحلم والدته الأثير، لكن الزوجة الصالحة كانت تشد أزره في كل مرة وتدفعه للأمام بكل ثبات، علما بأنه عاش طفولته وأيام شبابه الأولى في أحضان امرأة ثالثة هي جدته التي أعادت للأذهان صورة الجدة المشرقة في حياة العظماء، فتتراءى لنا جدة المتنبي التي صنعت ذلك الشاعر الخالد وتعلق بها عاطفيا أكثر من أي شخص آخر، ورثاها بقصيدته الخالدة التي مطلعها:
ألا لا أري الأحداث حمداً ولا ذما
فما بطشها جهلا وما كفها حلما
وغير بعيد عنها جدة شيخ الإسلام ابن تيمية التي نسب إليها لعلمها وفضلها عليه، وهو حال جدة الدكتور هاني الجهني التي عرفت بالصلاح والتقوى، حتى كان يلقبها حفيدُها بـ«ابن باز» لفرط تقواها وورعها، كما ذكر هو في مذكراته.
وهكذا فإن المرأة عندما تحب وتثق فإنها تصنع المعجزات، حتى لو اختفى اسمها خلف أسماء العظماء الذين صنعتهم، فذلك يبدو دائما من دواعي سرورها، ولكم أن تقارنوا بين النساء اللاتي صنعهن الرجل، والرجال الذين صنعتهم المرأة عبر التاريخ البشري الطويل والحضارة الإنسانية الممتدة، لتعرفوا من هي المرأة، وماذا يمكنها أن تفعل إذا وجدت من يستحق حبها وثقتها، وتضحيتها بعد ذلك.