«من جد وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل»؛ مقولات عظيمة، يسترجعها الناس بين الحين والآخر، وفيها عِبر كبيرة لمن أراد أن يسير في دروب الحياة بيسر وسهولة؛ وقبل حوالي 20 سنة، تعرفت عن قرب على مرب فاضل، وأستاذ مرموق هو الأستاذ إسماعيل كمال، من أشهر رجالات التعليم وقادة التربية في مدينة جدة، ومدارسها المختلفة، واجتمعنا على حب التعلم والتعليم، وتآلفت قلوبنا، وتطابقت عقولنا، وكان كلما جرى بيننا حديث عن واقع حاصل ـ وأحيانا عن استشراف معين لمستقبل ما ـ يقول لي: «زرعَ حصدَ»، فزاد عندي يقيني بأننا نحن من يصنع مستقبلنا..

فقدت الأستاذ إسماعيل، رحمه الله، بالوفاة، ثاني أيام العيد، وأنا خارج جدة، وتألمت لعدم حضور مراسم التعازي فيه، بل لتقبلها من محبيه، وحمدت الله أن اللقاءات بيننا لم تنقطع، وكان آخرها، أول يوم العيد، عندما ذهبت وأولادي لتهنئته به، وهو على السرير الأبيض، وبدا لي مكررا بعينيه، وبهمس شفتيه عبارته الخالدة «زرع حصد».. العم إسماعيل، كان مدرسة، ولم يكن مدرسا فحسب؛ كان مدرسة في الانضباط، وفي الصراحة، وفي الرجولة، وفي الفراسة، وفي الصبر؛ مسموع الكلمة بين أقرانه، وقريبا من كل من اتصل به؛ لا تفارقه الابتسامة، مع طمأنينة عجيبة، ولعل «زرع حصد» هي السر الأكبر وراء ذلك، ولا أظنه إلا تابعا طبيعيا لفهمه الصحيح لآيات ربه، سبحانه، كقوله عز وجل: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}..

«زرع حصد»؛ عبارة إرشادية بالدرجة الأولى، وهي كذلك عبارة تحذيرية؛ كان الراحل يستعملها كثيرا بمثابة التنبيه إلى ضرورة الإخلاص، والقناعة بالرزق الحلال، وإعمار الدنيا، والترفع عن المعايب، والحذر الشديد من غوائل الزمن، والاستفادة القصوى من تجارب التاريخ، ودائما ما تذكرني هذه العبارة التي كنت أحب سماعها من الفقيد النبيل؛ بقصيدة «لامية» خالدة للشاعر القاضي، عمر ابن أبي الفوارس، الملقب بابن الوردي، من أعيان القرن السابع الهجري، وصاحب التصانيف المتعددة؛ كتبها لابنه، وجاء فيها: «اعتزل ذِكرَ الأغاني والغَزَلْ* وقُلِ الفَصْلَ وجانبْ مَـنْ هَزَلْ.. ليسَ مـنْ يقطعُ طُرقاً بَطلاً* إنـما مـنْ يـتَّقي الله البَطَـلْ.. كُتبَ الموت على الخَلقِ فكمْ* فَـلَّ من جيشٍ وأفنى من دُوَلْ.. أينَ من سادوا وشادوا وبَنَوا* هَـلَكَ الكلُّ ولـم تُـغنِ القُلَلْ.. إيْ بُنيَّ اسمعْ وصايا جَمعتْ حِكمـاً* خُصَّتْ بهـا خيرُ المِللْ.. أطلبُ العِلمَ ولا تكسَلْ فمـا* أبعـدَ الخيرَ على أهـلِ الكَسَلْ؛ واحتفـلْ للفقهِ في الدِّين ولا* تـشتغلْ عنـهُ بـمالٍ وخَـوَلْ؛ واهـجرِ النَّومَ وحصِّلهُ فمنْ* يعرفِ المطلوبَ يـحقرْ ما بَذَلْ؛ لا تـقلْ قـد ذهبتْ أربابُهُ* كلُّ من سارَ على الدَّربِ وصلْ..»..

سأتذكر كثيرا «من جد وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل»؛ ولن أنسى «زرع حصد»، وسيظل الأستاذ إسماعيل حاضرا في الأذهان، ومحفورا في ذاكرة محبيه وطلابه، رحمه الله رحمة واسعة، وبارك في خلفه البررة، وعوض الجميع خيرا.