إذا كان ما يربو على ألفي سيدة حضرن منتدى السيدة خديجة بنت خويلد لا يمثلن المرأة السعودية، فمن المؤكد أيضا أن سبعا وثلاثين أكاديمية سعودية جلّهن من جامعة واحدة لا يمثلن كافة الشرائح النسائية، ولم يخولن حق الحديث نيابة عنهن! وكما ترى هؤلاء الأكاديميات أن المنتدى لا يمثل نهج المرأة السعودية المسلمة في استقلالها الفكري والتزامها بأحكام الإسلام، فهناك من السعوديات من يتبنين رؤية مخالفة، ولا يرين في فعالياته ومطالباته وتوصياته ما يتعارض مع القيم الإسلامية.
ليس من حق أحد ادعاء امتلاك الحقيقة، ولا إطلاق التهم على عواهنها اعتمادا على رؤيته الأحادية لاغيا من يختلف عنه، ومسفها ومتهما من يخالفه بالإخلال بقيم الدين! فلكلا الرأيين ما يدعمه من قراءات دينية؛ والدين والتدين ليس حكرا على قوم بأعيانهم، وخصوصية المرأة المسلمة وحرصها على دينها لا يمكن قصره على المرأة السعودية فقط! فهناك الملايين من المسلمات في أرجاء العالم الإسلامي الفسيح؛ فهل يعقل أن يوصمن بالبعد عن الدين والإخلال بالقيم الإسلامية لأنهن يتبعن قراءة مختلفة للنصوص الدينية! ولو عدنا للغة البيان لقرأنا فيها شوفينية استعلائية تنزه الذات وتنتقص الآخر؛ فالأصالة الإسلامية حكر على المرأة السعودية والالتزام بالدين وتحقيق مقاصد الشريعة مقصوران عليها دون غيرها من نساء المسلمين، ناهيك عن ضعف الاستدلال بآية قرآنية اقتطعت من أسبابها الخاصة بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن. فضلا عن انفصال لغة البيان وبعدها عن الواقع الاجتماعي، وكأن الموقعات على البيان يعشن في قوقعة معزولة عما يحدث في بلادهن. فهناك الآلاف من السعوديات المبتعثات من الحكومة يدرسن تخصصات مختلفة – لا تقتصر على التربية والطب- في أراضي الله الواسعة وفي بيئات تعليمية مختلطة. وهناك الكثير من السعوديات اللواتي يعملن في القطاع الطبي، إلى العاملات في قطاع البنوك أو عاملات الاستقبال في المستشفيات، إلى المذيعات والإعلاميات العاملات في التلفزيون السعودي وخلافه ممن يعملن في بيئات مختلطة. بل أظهرت دراسة أجرتها جامعة الملك سعود تأييد 89.5% من المجتمع السعودي لضرورة إيجاد أنظمة للعمل المختلط. فضروارت الواقع وإلزاماته وشروطه الاقتصادية والتنموية؛ وآلاف العاطلات من خريجات الجامعات واللواتي يستحيل أن يستوعبهن القطاع الطبي والتعليمي تقتضي فتح الباب لفرص عمل جديدة للمرأة. والحكمة تستدعي إعداد المجتمع وتهيئته ثقافيا وغرس آداب تواجد المرأة والرجل معا في بيئة عمل واحدة، وتقنين الأنظمة التي تحمي المرأة، فلا يمكن الوقوف في وجه صيرورة الزمن.
تتنازع المجتمعات البشرية رؤيتان، إحداهما تميل للتقليد والثبات وأخرى تميل للتجديد والتغيير ومن خلال تدافع هاتين الرؤيتين تتحرك المجتعات، ليبقى الخيار مفتوحا أمام من يريد التمسك بالتقليد، أو من يريد الأخذ بالتجديد.
أخيرا: أتساءل أين هؤلاء الأكاديميات الفاضلات عن كرامة المرأة السعودية المراقة على أعتاب المحاكم وعضل الفتيات وتعليق النساء والطلاق التعسفي والنفقة التي لا تقيم أود طفل، وتشتيت الأسر الآمنة على خلفية عدم التكافؤ في النسب؟! أين هن عن فقر النساء والحاجة والعوز المؤدي لكافة أنواع الشرور والرزايا والمفاسد، أين هن عن كل هذا مما يخل فعلا بمقاصد الشريعة؟