تبدأ الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بدايات خجولة. متابع أو متابعان، دائرة صغيرة من الأصدقاء من ذوي الاهتمامات المشتركة الذين يناقشون فكرة معينة ويتحدثون نفس اللغة ويفهمون نفس المصطلحات. ثم تأخذ هذه الدائرة بالاتساع من خلال ذائقة الموقع الذي يقترح على مستخدميه بعض الأسماء تباعا، وذلك في كل مرة يدخلون فيها للتطبيق فيتحكم الحساب بالمستخدم من خلال متابعته لاهتماماته ويتحكم من الناحية الأخرى بمن يسوِّق لهم من خلال رفع نسبة مشاهدات حساباتهم، وبالتالي وقوعهم في فخ الشهرة.. شيئًا فشيئا تتسع دائرة المتابعَين وتبدأ الأرقام بالازدياد، ويبدأ الأشخاص الافتراضيون باقتحام الحياة الافتراضية للإنسان برضاه وبإرادته، وهنا يبدأ المستخدمون بالتمايز..

وما أعنيه بالتمايز ببساطة هو التعامل الصحي مع من يتابعهم ويتابعونه من جهة، ومع الأهمية التي يعتقدون أنهم حصلوا عليها من جهة أخرى، هذه الأهمية أحيانا لا يكون لها وجود أساسا إلا في خيالاتهم. وصل بنا الحال إلى أن يمتطي أحدهم صهوة فرس «دون كيشوت» على الدوام، ويتجول في التطبيقات مشهرا سيفه، أو لوحة مفاتيحه، في معاركه الافتراضية المختلقة» مؤذيا هذا ومعرّضا بذاك.. هذا النوع من المستخدمين تزداد أعراض حالتهم سوءًا مع زيادة عدد المتابعين، بل اكتشفت بالتجربة أن الحسابات الجيدة قد ينحدر للأسف مستوى الطرح فيها مع ارتفاع عدد المتابعين، وكأن صاحب الحساب مرغم على التجاوب بطريقة معينة لتستمر أرقامه في النمو ويستمر في التهام كعكة الشهرة والتغذي على الانتشار.

لهذا اقتنعت شخصيا بضرورة التفكير مرتين قبل نشر أي حساب يعجبني، حفاظا على جودة ما يقدمه وعلى موضوعية صاحبه. لم أعد أحرص على تداول الحسابات الممهورة بالعبارة الشهيرة (يستحق النشر) مهما بدا النشر مفيدا، وذلك خوفا على صاحبه أو صاحبته من جنون الشعبوية.. وأتذكر هنا أكثر من حالة على مواقع التواصل بدت للمتابعين مشروعا لحساب واعد، ولكنها انتهت للأسف إما خضوعا للحشود أو ركوبا لموجة الشعبوية! من المؤسف حقيقة أن يخوض أحدهم معركة افتراضية يكسب فيها أرقام المتابعين ويخسر معها قيمة الاحترام.