الكلام أو الكتابة عن تجديد الفكر أو الخطاب الديني قديم وجديد، ودائما ما يدور على ألسنة الناس، ومقالاتهم، وبرامجهم، حتى إن البعض يطالب بإلغاء الخطاب الديني كله، لأنه -في زعمهم- سبب الأزمات، ويقابلهم من يصر على العودة للعصور السالفة، والتجمد والجمود على ما كان عليه أهلها، وأن هذا -في خلدهم- هو الأمان التام..

لا أريد هنا أن أسرد الأدلة النقلية المؤكدة على أن التجديد، إنما هو من خواص ديننا الحنيف، مكتفيا بذكر أن الحوادث المختلفة في عصرنا، وأمام النصوص المحدودة المباشرة التي تتناولها، تفرض التجديد كآلة حتمية يمكن من خلالها الكشف عن حكم الله فيها، حكما يتجاوز ترديد عبارة (العمل بالكتاب والسنة)، إلى إمعان النظر في نصوصهما الشريفة، وإعادة قراءة ما فيهما، وفق قواعد شرعية، يطمئن إليها العلماء جميعا، مفادها أن التجديد مقوم أساسي من مقومات تفعيل الدين في النفوس، وبدون التفعيل انسحب الدين عن الناس، وانسحب الناس عنه، وصار الدين مجرد عادات وطقوس، وأعمال روحية، لا شأن لها بالمعاش ولا بالحياة..

المطلوب في دنيانا، وفي هذه الأوقات منها، أن ينطلق الكل من الكتاب والسنة، (ثم) ما يناسب الوقت من كنوز (التراث)، وأن يكون مجال وجهات النظر مفتوحا لكل مقتنع بأن الدنيا لا يمكن أن تستقيم في جو غير خال من الصراع، ونفي الغير، واحتكار الحقيقة، ومصادرة الآراء، وأن السلامة يسيرة وقريبة من أولئك المقتنعين بتوظيف ما يكفل التقاء الجميع في إطار متصالح مع بعضه البعض، مناهض للتقليد الضيق، غير كاره للمتغيرات من حوله..

كلمة التراث التي ذكرتها آنفا، قصدي منها مجموع الآراء أو الأنماط والعادات المنتقلة من جيل لآخر، وهو أمر خاص بالإنسان، خاصة أن الإنسان يتعلم من تراثه، ولا يمكن أن ينفصل عنه، وفي نفس الوقت هو مطالب بأن لا يتوقف عند التفاخر به، أو أن يرفضه، ويظن أنه يعوق بينه وبين عصره، وهذا لا يعني عدم الاستقلالية في النظر، أو عدم التحرر من آفة التقليد، وفي هذا يقول الإمام الغزالي، من علماء القرن الخامس الهجري، في كتابه الجميل (ميزان العمل) ص: 409: «فجانب الالتفات إلى المذاهب، واطلب الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى تقلّد قائدا يرشدك إلى طريق وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك، بأنه أهلكك وأضلك عن سواء السبيل. وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك، فلا خلاص إلا في الاستقلال، خُذْ مَا تَراهُ وَدَعْ شَيْئاً سمعتَ به* في طالعِ الشَمسِ مَا يُغنيكَ عَنْ زُحَل، ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب فناهيك به نفعا، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال»..

الصرخة التراثية الغزالية المتقدمة ضامنة أن حل فكرنا الإسلامي المعاصر، أمر سهل، طالما تميزنا بالنظرة العقلية الواعية، وحافظنا على استقلال أفكارنا، ونبذنا التقليد الأعمى، وانفتحنا على ما حولنا، ومن حولنا، وسرنا في الأرض من أجل الاعتبار وطلب المفيد، وتلافي السلبيات، وتنمية الإيجابيات، والمرونة مع المستجدات، كما فعل سيدنا الإمام الشافعي، في مصر مع المتغيرات التي لم يعهدها عندما كان في أرض العراق.