جولات غير قليلة من مد جسور الحوار والتعاون بين الشرق ـ المسلم ـ والغرب ـ المسيحي ـ بدأها مجلس حكماء المسلمين والأزهر الشريف، وقاد البدايات الميمونة شيخ الأزهر ورئيس المجلس، الدكتور أحمد الطيب، قبل أربعة أعوام، وأثمر التواصل عن نتائج مختلفة، لعل من أبرزها ما تم قبل أيام في العاصمة البريطانية، من جمع لخمسين شابا وشابة، من الديانتين المسلمة والمسيحية، ومن مختلف الجنسيات، في حوار استمر مدة عشرة أيام، تحت نشاط اصطلح على تسميته «منتدى شباب صناع السلام»، تحت رعاية الأزهر الشريف، ومجلس حكماء المسلمين، وأسقفية كانتربري.

الجميل الملفت في المنتدى السالف الذكر، هو نقل الحوار بين القيادات الدينية إلى الواقع المعاش، وتحديدا إلى الشباب، وتعزيز تأثيرهم الفاعل في مجتمعاتهم، ورفع قدرتهم على المساهمة في صُنع السلام حول العالم، وتعميق رؤيتهم حول مفاهيم التعايش السلمي، والاندماج الإيجابي، وقبول الآخر، خاصة أن الحوار يحتاج من أجل إنجاحه إلى أشخاص قادرين على البذل، والنزول إلى الشارع، والوصول إلى الناس حيث هم، مع إيمان كامل ولازم بقيم السلام والتسامح، وليتحولوا بعد ذلك إلى دعاة لهذه القيم، وإعمار الكون كله بها.

محاضرات متنوعة، وورش عمل مكثفة، عقدت في كلية تشرشل بجامعة كامبريدج، أسهمت حقيقة في خلق مساحات آمنة للحوار بين الشباب، ورفع وعيهم بقيم العفو والمغفرة والتسامح، وكيف أن الشخص المتسامح يفعل ذلك ليس فقط من أجل الآخرين، ولكن أيضا من أجل نفسه، وتعرفوا جميعا إلى أهمية «العدالة التصالحية»، أو ما يمكن أن يطلق عليه ضمنيا «التفاوض» من أجل حل الصراعات والنزاعات، وأمور مفيدة أخرى، أكدت أن على المؤسسات الدينية قاطبة أن تقوم بدورها من أجل تبني ودعم رؤى ومبادرات ومقترحات الشباب، ومناقشة آليات توظيفها، ووضع خطط عملية لتنفيذها، وتعميم فوائدها في الشرق والغرب، إن كنا صادقين في تعميم السلام على كافة أنحاء المعمورة.

لا شك أن هناك أوجه شبه كثيرة وكبيرة بين النصوص الدينية من القرآن الكريم، والعهدين الجديد والقديم، فيما يتعلق بإدارة الصراعات، وهناك نقاط اتفاق كثيرة بين كل الأديان، وكلها تدعو للسلم والتسامح واحترام الإنسانية، ونبذ الفرقة والصراعات، ومن آكد المهمات على محبي السلام، وكما يكرره دائما، شيخ الأزهر الشريف، «تجنب الحوار في العقائد، وأن على كل صاحب دين احترام طبيعة دين غيره، مع التركيز على المشترك من القيم الإنسانية، وتحقيق مبدأ إنسانية الأديان»..

أختم.. بأن رسول الإنسانية الأعظم، صلى الله عليه وسلم، وقف لجنازة يهودي احتراما لإنسانيته، وفي نفس الوقت جعل من نفسه خصما لكل من يؤذي أحدا من غير المسلمين، مواطنا، أو معاهدا، أو ذميّاً في ماله أو نفسه أو عرضه، وحرم الجنة على كل من خالف مبادئ الإنسانية السوية، وتعاليم الإسلام السمحة، واستباح دم إنسان شريك له في الوطن لمجرد الاختلاف الديني، فإن ريح الجنة محرم عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا ليوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»، وهو توكيد على أن الدين الإسلامي في أصوله ومبادئه دين منفتح على كل الأديان والثقافات، ولا يُكره أحدا على اعتناقه، ويسعى ليسود السلم والأمن في العالم، ويكرّم الإنسان، ويحفظ حقوقه، فكل ما ينفع الناس ويحقق الخير للبشرية مطلوب ومرغوب فيه.