ما من شك أن إزالة ركام الجهالة، والتخلص من الأمور البدعية المتوارثة، يدخل في إطار إصلاح المفاهيم وتصحيحها، وهو إحياء للعلم، واستيعاب طيب لمستجدات الحياة، ولا مانع أن يتضمن ذلك تحريك الأمور المسكوت عنها، أو الأمور الجامدة، وإضافة ما يغير من معالم الأشياء، ولو عن طريق ابتداع بدع حسنة.

المعاناة من الضعف العلمي والفكري والثقافي كبيرة، والتخابث من أجل التخلص من أي أمر قديم، لا يكاد يخفى، والانبهار بأي دعوة للتحضر تلقى رواجا عجيبا، والمذاهب مختلطة، والتجهيل على أشده، وفي الخفاء وفي المجالس الخاصة، من الصراعات الفكرية والثقافية كثير أيضا، وكل ذلك يحتاج إلى رأب للصدع، وجمع للكلمة، وإذابة للاختلاف، والعمل الجاد المتصل، من أجل تصحيح مسار المعارف النقلية، وحماية المجتمعات من الانحرافات التي أصابتها قديما وحديثا، في فهم تعاليم الدين، كالحديث النبوي الشريف، وربما القرآن الكريم، مثل حديث «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام»، وحديث «أفشوا السلام»، وغيرهما، وأرجو عدم التوقف عند الحديثين السابقين، وأن أحدهما واقعة حال، أو غير ذلك، فالقصد هو تبيين كيف يتسنى لأي منا، فهم مصادر التشريع الديني.

لا شك أن التحري عن مصدر النص مهم جدا، وفيه خروج من شبهة التحريف وغير ذلك، ثم لا بد من القيام بجمع كل روايات الموضوع نفسه، وتمحيصها وفق قواعد العلماء المُحدِّثين «بتشديد الدال وكسرها»، وليس بفتحها، ثم علينا مراعاة العلاقة بين النص وغيره مما يشابهه، أو يعارضه، وأي النصوص عام، وأيهما خاص، وعلينا مراعاة الدلالات اللغوية ولوازمها للنص، والحذر من تجزئة النص بما يناسب الهوى، والانتباه لسبب ورود الحديث، وزمانه، ومكانه، وعلاقة الراوي به، وعلينا التوازن في فهم النص، بحيث نضمن المحافظة على الثوابت الشرعية من جهة، وتحقيق المقاصد والمصالح من جهة أخرى، وهذا يعني تنزيل النص على الواقع، دون فساد في التفسير، أو انحراف عن حِكم التشريع، وهو أمر لن يراعيه إلا المتخصص في العلوم الدينية، من حباه الله تعالى، حسن التأمل السديد، في مواطن الاختلافات، وغيره لن يتمكن من الربط الواعي بين النص الوارد، وما يتعلق بموضوعه من القرآن والحديث، أو بما ورد من أقوال.

صحيح جدا أن «الدين المعاملة»، رغم أن العبارة ليست بحديث شريف، ولكن ليس صحيحا ألا يسجد المؤمن بدينه، لله تعالى، ولا يتصدق، ولا يصوم مثلا، لأن الدين ليس حسن معاملة المخلوقين، ونسيان حقوق خالقهم، سبحانه وتعالى، وليس الدين تجرؤا على النصوص دون إدراك لغتها، ومصدرها، وغاياتها، ومآلاتها، فالتقدم في الفهم الحياتي والديني، لا يحتاج إلى التخلص من كل علماء الدين، وفي الوقت نفسه لا يحتاج إلى الانحلال التام من الضوابط، إنما يحتاج إلى تنقية المكتوب، وتفكيك المقدسات الموهومة، وتعميق الإيمان في النفوس، والبعد عن الخرافات، ومراعاة ظروف الحياة، والإفادة مما مضى، وتوسيع دائرة أهل الاستشارة، وتمكين تواصلهم، فيما يهم دين الناس ودنياهم.