كلما مرّ أسبوع أو أسبوعان تفاجئنا الصحافة بخبر مفجع من العيار الثقيل، وكلها هذه العيارات النارية الصحفية منغرسة في صدور الممارسين الصحيين.

مقطع صوتي يُعنَّف فيه طبيب بأقبح الألفاظ، وفي رجب اعتداء على طبيب، وفي مدينة الملك فهد الطبية زوج يعاني من «الغيرة المرضية» يطلق النار على طبيب نساء وولادة ويهرب، وفي مدينة الأمير سلطان الطبية اعتداء على طبيب وإصابته بكسور، وفي

أبوعريش اعتداء وحشي على طبيب، وفي ينبع اعتداء على طبيب، واعتداء على ممرض بالطعن في المدينة المنورة، وقبل أيام إطلاق النار على رأس ممرض في مستشفى الملك سلمان أردته قتيلا، رحمه الله، وأخيرا مشرف أمن في بيشة يرقد على السرير الأبيض نتيجة طعنات طعن بها حتى أغمي عليه.

كل هذا التعنيف من النوع الجسدي، فضلا عن التعنيف اللفظي الذي لا يكاد يقف من غالب المراجعين على مدار الساعة، وحدث ولا حرج.

صور مؤسفة تدل إما على جهل مجتمع أو حقد اجتماعي على الأرجح وتدل -مؤكدا- على إهمال حق الممارس الصحي من وزارة الصحة التي لم نر على وسائل الإعلام أنها أخذت حق أحد من منسوبيها، أو على الأقل أوكلت له محاميا يرد له بعض الاعتبار.

في الواقع، إن بقاء الممارس الصحي تحت هذا الوضع المزري يؤدي حتما إلى نتائج وخيمة تعود على الجميع بالخسران، أبرزها إضعاف الإنتاجية وقتل بيئة العمل المشجعة، ففي هذه الأجواء يكون هَمّ الممارس الصحي المحافظة على «روحه» من طلق ناري أو طعنة سكين أو ضربة عصا غليظة على أفضل الأحوال، فكيف سيفكر إذن في إنجاز أو حتى أداء عمل عادي؟!

أصبح من الضروري جدا ترك أسلوب «غض الطرف» عن هذه السلوكيات والاكتفاء بالتصاريح الصحفية التي لا جدوى منها، وصار ضروريا تجريمها بشكل واضح وتشريع قوانين رادعة «فعالة» من الجهات المختصة، في اتساق بين الجهات المعنية، تحمي الممارس الصحي وتردع المراجع المعتدي، وتضع حدا لهذه الصور السيئة التي لا تنم إلى ثقافتنا ولا ديننا بصلة.

إنه من الخطير جدا أن تبقى هذه السلوكيات دون ضبط وتجريم، فمثلها سينعكس على الوطن والمواطن بأضرار لا تحمد عقباها، فضلا عن الطب والأطباء.

إن مهنة الطبيب -خصوصا- مهنة إنسانية بحتة، تحتاج أن تقابَل بإنسانية، ها هم الأطباء يرابطون في إجازات الأعياد تاركين أهاليهم وأعيادهم متفرغين لخدمة المريض، وها هم يوجدون على الحد الجنوبي معرضين أرواحهم للخطر ولا يبالون، وها هم يواصلون الليل بالنهار للسهر على راحة المريض، فهم قوم نذروا أنفسهم لغيرهم، وليسوا في حاجة للحديث عن مكانتهم، فقط لنعلم أنهم سخّروا حياتهم لخدمة مجتمعهم، فليس من المنتظر أن يقابَلوا بهذه السلوكيات العدائية، علاوة على حرمانهم كثيرا من مستحقاتهم المادية ومحاولة البعض التشكيك في استحقاقهم لها ظلما وإجحافا.

والسؤال الكبير الذي يحتاج إجابة: لماذا يكون الاعتداء بهذا الحجم فقط على الممارسين الصحيين من أطباء وممرضين، بينما تجد هذا المراجع «الأهوج» يلتزم الأدب في القطاعات الحكومية الأخرى؟!. من أمن العقوبة أساء الأدب.