تباشير شهر ذي الحجة بدأت، ولذلك يحسن بمستقبليه التفكر في أمور متصلة بالمناسبة، وتفيد المتعرضين لها، ومن ذلك تناول مواضيع القواعد الفقهية الكبرى، وفي مقدمتها القاعدة الشهيرة «المشقة تجلب التيسير»، والتي تندرج تحتها مجموعة من القواعد الفرعية، مثل «الضرورات تبيح المحظورات»، و «إذا ضاق الأمر اتسع»، و«لا واجب مع العجز»، و«الميسور لا يسقط بالمعسور»، و«الضرورات تقدر بقدرها»، وكلها قواعد تؤكد تخفيف الأحكام الشرعية، في الأحوال التي تحصل فيها مشقة أو عسر أو حرج، عند تطبيقها، ويشهد على ذلك كلام ربنا، سبحانه وتعالى، وسنة حبيبنا، صلى الله عليه وسلم، «يُريدُ الله بكُمُ اليسر ولا يريدُ بكم العُسر»، و«لا يُكلف الله نفساً إلا وُسعَها»، و«يُريد الله أن يخفف عنكم»، و«ما يُريد الله ليجعَل عليكُم من حَرَجٍ»، و«وما جَعَلَ عليكُم في الدّينِ مِنْ حَرجٍ»، و«بعثت بالحنيفية السمحة»، و«إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

بلا شك، إن للمشقة المقصودة في القاعدة بالتخفيف، ضابطا أساسيا، وهو أن تكون مشقة عارضة ظاهرة، وليست مشقة معتادة ويسيرة، بحيث إذا فعلت معها العبادة، حصل ضرر على الفاعل، بالموت، أو التلف، أو زيادة المرض، ونحو ذلك، من كل ما يدل على أن الصعوبة والعناء سببان مباشران للتيسير.

وفي هذا المقال، سأقتصر على مناقشة مسألة واحدة فقط، مخافة الوقوع في تشتيت المهتم بهذا النوع من المعارف، والتطبيقات.

والمسألة هي، لزوم الطهارة لمن يريد الطواف بالكعبة المشرفة، وقبل ذلك أطلب تخيّل حال طائف طواف الإفاضة، الذي انتقض وضوؤه، في الشوط السادس، في ضحى يوم العاشر من ذي الحجة، وكيف يمكن له الخروج للتطهر، ثم الاستئناف مرة أخرى.

شرط الطهارة للطواف، من الأمور التي فتح الله بها على من سبقنا، من أصحاب البصائر المنورة، وذهبوا فيها مذاهب متعددة، ومن أقوالهم المشهورة «إن الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، والنجاسة، شرط لصحة الطواف»، وهو قول غالب السابقين من: الشافعية، والمالكية، ومشهور الحنابلة، ومنها أيضا «أن الطهارة للطواف واجبة، يجبر تركها بدم»، وهو قول حنفي، ورواية حنبلية، ومنها كذلك «أن الطهارة للطواف سُنة»، ومال إلى هذا بعض الحنفية، والإمام أحمد أيضا، ولكل فريق أدلته التي اعتمد عليها.

مقالي هنا، للتفكير بعمق فيما طلبتُ تخيله سابقا، وفي صور أخرى مثيلة، ثم تدبر قول الله، سبحانه وتعالى: «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، وملاحظة أن الله، جل جلاله، أمر بالطواف والدوران حول الكعبة المشرفة من غير قيد الطهارة، وهذا أمر يتحقق من المحدث والطاهر، مما يعني أن اشتراط الطهارة زيادة على النص، والزيادات لا تثبت ولا تجوز بخبر الواحد، ولا بالقياس، مع التدبر ثانيا في حديث عطاء، قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، فأتمت بها سُنّة طوافها، وهو حديث سنده صحيح، ورواه سعيد بن منصور، في «السنن»، والتدبر ثالثا، في سؤال شعبة بن الحجاج، لحماد بن زيد، ومنصور بن المعتمر، وكلهم من علماء القرن الثاني الهجري، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؛ وقوله، لم يروا به بأسا، كما ذكر ذلك الإمام ابن حجر، في كتابه «فتح الباري»، وأخيرا قياس المسألة على باقي أركان الحج وواجباته؛ وكلها لا تشترط لها الطهارة.