اليوم، ما أجلّه وما أعظمه من يوم؛ إنه يوم التروية، ويوم التهيؤ ليوم المباهاة؛ الذي يتجلّى اللهُ فيه برحمته لعباده المؤمنين، ويباهي بهم ملائكته المقربين، قائلا لهم: «ألم تروا إلى عبادي؟! جاؤوني شُعثا غُبرا، يطلبون مغفرتي، أُشهِدُكم أني قد غفرتُ لهم». عبادة الحج، أمرها عجيب جدا، وطابعها شديد الخصوصية، والكتابة عنها لا يمكن أن تنتهي.
اليوم وغدا، يتجرد الجميع من لباسهم المألوف، وكلهم سواسية، لا طبقية، ولا فوارق بينهم؛ الكل متشوق لأفضل طريق يستدر به رحمات الخالق، سبحانه وتعالى، ويحصل به منه على ما يحقق له قضاء حوائجه المختلفة، الدنيوية منها والأخروية.
في مثل يوم غد، وقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- المغفور له ما تقدّمَ من ذنبه وما تأخر، بين يدَيْ الله تعالى ضارعا متواضعا، ذليلا خاضعا، خائفا راجيا، يعطي أمته درسا في ضرورة تجديد التوبة إلى الله، والتقرب منه، بمختلف الصور، وفي مقدمتها الدعاء والتضرع، إلى الله، مع اليقين بالإجابة الكاملة من عنده سبحانه؛ ومن أَجَلّ ما يمكن به التضرع إلى الله، الطلب منه بالصيغ النبوية التي توجّه بها إليه سيد خلقه -صلوات ربي وسلامه عليه- وفي مقالي هذا، سأقتصر على 5 صيغ «غير مشهورة»، من هذه الأدعية النبوية الشريفة، وكلها صحيحة، وتستحق التدبر في كلماتها، وبلا شك اللجوء إلى الله بمفرداتها.
الصيغة الأولى: قوله، صلى الله عليه وسلم: «اللهم احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تشمت بي عدوّا حاسدا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك»، أخرجه الإمام الحاكم (1/ 525).
والصيغة الثانية قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، وأعوذ بك أن أَظلِم، أو أُظلَم»، أخرجه الإمام أحمد (2/ 305).
والصيغة الثالثة قوله: «اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك؛ فإنه لا يملكها إلا أنت»، أخرجه الإمام أبو نُعيم في الحِلْية (5/ 36).
والصيغة الرابعة قوله: «اللهم جنِّبني مُنكَراتِ الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء».
والصيغة الخامسة قوله: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء، ومن زوجٍ تُشيِّبني قبل المشيب، ومن ولد يكون عليَّ ربًّا، ومن مال يكون علي عذابا، ومن خليل ماكر؛ عينه تراني، وقلبه يرعاني؛ إن رأى حسنة دفنها، وإذا رأى سيئة أذاعها»، أخرجهما الإمام الطبراني في الدعاء (3/ 1447).
أختم بحلٍّ لإشكالية، لماذا ندعو، والقدر مكتوب؟، وجدته في قول الإمام الذهبي، في كتابه «سير أعلام النبلاء»، عند ترجمته للإمام أبي عوانة، قال: «روى أبوعمر الضرير، عن أبي عوانة، قال: دخلت على همام بن يحيى، وهو مريض أعوده، فقال لي: يا أبا عوانة، اُدعُ الله ألا يميتني حتى يبلغ ولدي الصغار، فقلت: إن الأجل قد فُرغ منه، فقال لي: أنت بَعدُ في ضلالك، قلت: بئس المقال هذا، بل كل شيء بقدر سابق، ولكن -وإن كان الأجل قد فُرغ منه- فإن الدعاء بطول البقاء قد صحّ، دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لخادمه أنس بطول العمر، والله يمحو ما يشاء ويثبت؛ فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، ولا يردُّ القضاء إلا الدعاء والكتاب الأول؛ فلا يتغير».