أثار انتباهي كما أثار انزعاجي الطريقة التي تعاملت بها الأسرة مع شرطي المرور مؤخرا، وليس هذا فقط بل أيضا الردود التي ظهرت على الخبر أو الموضوع في وسائل التواصل الاجتماعي! هنا بدأت أفكر بأمرين أولهما الاحترام والتقييد بالقوانين والثاني كمية المتصيدين «Trolls» التي اعتقدنا أنها سوف تنخفض نسبتها مع مرور الوقت وارتفاع الوعي! ما الذي يجري هنا؟ كيف وصل الأمر إلى أن يُعتبر التهجم على الآخر عند البعض عملا بطوليا لاسترداد حق مزعوم أو دفاع عنه، بغض النظر عن الشريحة التي ينتمي إليها هذا الآخر؛ معلما أو طبيبا أو شرطي مرور؟!

لنعود للأصل، لماذا نتقيد بالقانون؟ الدولة لها قوانينها، وكذلك المنشآت الصحية والتعليمية، ولكن نجد أن الكثير يتصرف وكأنها وضعت لغيره! بالنسبة إليهم القانون يسري على الجميع وعند الاقتراب منه يقفز ويتعداه لمن هو بعده! ينظر إلى نفسه وكأنه ملاك يمشي على الأرض؛ لا يخطئ ولا يتعدى، ومن يرى غير ذلك هو عدو يجب التهجم عليه وبشراسة، إن سمحت له الظروف بذلك! والآن ومع العزيزة «النت» أصبح بالإمكان التصوير ورفع الواقعة ليراها الجميع! لماذا هذه الجرأة أو الغباء؟ لأن الكثير يضع سخافاته وتعدياته على الإنترنت ويجد ترويجا هائلا من المتابعين بل تصفيقا وتشجيعا! وأصبح كل من شكه دبوس من طبيب أو معلم أو شرطي يفسر ذلك على أنه اعتداء، متوقعا أن يجد السند ومتأملا «الترند» ليخرج بترضيات! ولكثرة هذه المقاطع ضاع الحابل مع النابل ولم تعد تدري من الظالم ومن المظلوم، لأن المقطع قد سجل «عين» المعتدى عليه ولم يسجل «عيني» المعتدي التي ربما تم قلع كلتيهما! بمعنى أنه دائما هنالك رواية ناقصة، وما يقدم من رؤية محددة وليس الصورة كاملة، ولكن بما أن الناس «تطير بالعجة»، تجرأ مثل هؤلاء لدرجة التخلف!

وهنا نسأل لماذا نتقيد بالقانون؟ لتواجد مثل هؤلاء بيننا، ليحمينا منهم ومن أنفسنا إن لزم الأمر، بعضنا يتقيد بالقانون لأنه لا يريد أن يتحمل نتائج المخالفات، وبعضنا لأنه لا أخلاقياته ولا ضميره يسمحان له بتحمل ما قد ينتج عن تعديه على حقوق الغير، وحتى وإن كان أمرا بسيطا كأخذ دور غيره في الطابور، وبعضنا يحترم القانون لأنه يحترم السلطة احتراما نابعا من الامتنان لما تقدمه هذه السلطة من خدمات منها التعليم والصحة والأمن والأمان، وفي المقابل تتوقع هذه السلطة من المجتمع أن يتبع القوانين التي وضعت أصلا لحمايته، لذا إذا تم اختراق هذه القوانين كيف نحاسب السلطة على الوفاء بوعودها ونحن نعطل عملها من الأساس؟! إن الأمر بالنسبة لهم كالإخلال بالاتفاق ما بينهم وبين الدولة وما تمثله من قوانين وتشريعات، والتي تم الموافقة على اتباعها!

والآن للنظر في قضية «المتصيدون»، وهم ليسوا أقل خطرا أو أهمية، من هم؟ إنهم كل من ينشر تعليقات أو مشاركات أو ردود هجومية أو استفزازية متعمدة عبر الإنترنت، نعم بدأنا نلاحظ نضج المجتمع خاصة في التفرقة ما بين التعديات والمخالفات، وما بين التبلي على الغير، بل أصبح هنالك التروي من قبل الكثير، والمناداة بالانتظار حتى تتضح الصورة، ولكن للأسف لم ينضج بما فيه الكفاية! لماذا؟ لنسبة الأعداد الكبيرة لمثل هؤلاء «المتصيدون»، نجدهم تقريبا في كل مشاركة يسرحون ويمرحون، يضربون بكل الكلمات المؤذية والاستفزازية، وما هو مزعج ومثير للقلق فعلا أن ترى الكبار ومنهم المثقفون، الذين المفترض أنهم ناضجون، يتصرفون مثل الأطفال يهينون بعضهم علنا وعلى مرأى من الجميع! إنه من السهل الانجرار إلى قلب مناقشات ساخنة ولكن ننسى أن الغضب، وإن كان مؤقتا، يعيش إلى الأبد على النت، لا وبل ينتشر مثل النار في الهشيم، وإن تم حذفه سيبقى عند الغير، ومن بيده إيقاف كرة النار إن تحركت! محاولات مستميتة لتجريد هذا الآخر من إنسانيته، لإنزاله إلى أدنى مستوى ممكن، والمشكلة أنهم غالبا لا يعلمون أصلا مع من يتحدثون، أقصد هنا يعرفونهم جيدا في الحياة وعلى أرض الواقع! قرأت لسيدة فقدت ابنتها نتيجة انتحار، والتي تعرضت لمثل هؤلاء، لكنها لم تتراجع وتخف بل قامت بحركة جعلته يعتذر منها فيما بعد، بأن نسخت مداخلته ووضعتها للجميع كي يقرأها، وتركت له أن يقرأ بنفسه ردة الفعل على ما قاله! ربما تحرك شيء ما بداخله بعد ما قرأ، للأسف غيره لا تتحرك على رأسهم شعرة! المهم أنها حين سألته: لماذا فعلت هذا؟ أجابها وبكل صراحة: لأنني أشعر بالتلذذ والراحة حين أقوم بذلك! طبعا فيما بعد عرفت عن المأساة التي عاشها والخبرات السلبية التي عانى منها طوال حياته، ولهذا يسعد حين يرى غيره يتألم، ولكي يبرهن لها أنه تغير، ولكي يكفر عما اقترفه إزاءها وغيرها، بدأ يقوم بمساعدة مشردي الطرقات، العبرة هنا أنها كانت تؤمن بأن معالجة الإنسانية لا تستقيم إلا بالإنسانية!

 تلك السيدة كان عندها الإيمان والصبر لتقوم بذلك، ولكن ماذا عن البقية؟! كيف نساعدهم؟ كيف نرتقي بهم لنساهم بنضج المجتمع؟ برأيّ الإجابة تكمن بنا، أي أن نبدأ بأنفسنا ونلاحظ تصرفاتنا حتى البسيطة منها، بأن نتقيد بالقانون حتى وإن لم يكن هنالك من يراقب ويكتب لنا مخالفة، أن نلتزم بأخلاقيات وقيم عالية حتى وإن كان الذي يقابلنا في النقاش يريد أن ينزل بنا حتى نغرق معه في الخطأ، وربما إلى مستوى أدنى! ألا ننجرف خلف المجاميع بأن نلتقط الخيط ونكمل إشعاله، أن نتروى وننتظر ونفكر ونحلل قبل أن نحكم، وحتى حينها لا نهاجم فدائما للقصة صورة أكبر، أو ظروف ليست واضحة لنا، لندع القانون يأخذ مجراه لسنا قضاة ولسنا لاعبي هجوم، نحن مواطنون، إن تشربنا هذه المفردة تماما، عرفنا ما هو دورنا وما هو التصرف السليم الذي يجب أن يمثلنا.

 بالنسبة لي إن تعلمت شيئا من دروس قيادة المركبات، تعلمت أنه حينما تقابل هذه النوعية من البشر على الطريق لا تدخل معهم في تحدٍ ولا تحاول تأديبهم، فأنت بذلك تزيد خطرهم عليك وعلى الآخرين وعلى أنفسهم أيضا، دعهم يمرون ولا حتى تنظر إليهم، لأنهم مستعدون أن يفسروا أي شيء يبدر منك سلبيا، دعهم سوف يأتي الوقت ويلفون الحبل حول رقابهم ويقعون تحت طائلة القانون، وهذا تماما ما حدث للأسرة التي قامت بالتعدي على شرطي المرور، سلوكياتهم تدل على أن التنمر متأصل بداخلهم وأن غيرهم قد عانى منهم في وقت ما على الطرقات أو غيرها، ولهذا بالتأكيد سوف يجدون ما يستحقونه وبالقانون! أما أنت فالتزم بقوانين الطريق لأنها لم تصغ إلا لحمايتك ومن يسهر على تطبيقها ليس عدوا يريد الإيقاع بك، يكفيه فقط عدد المرات التي يجد نفسه مضطرا إلى أن يتصل بالأهل ليبلغهم عن فقدان عزيز بسبب حادث، تكفيه المناظر الشنيعة التي يراها كل يوم بسبب حوادث التهور والإهمال والسرعة وعدم تطبيق تعليمات الطرق، يكفيه أنه يعرض حياته للخطر من أجل أمنك، يكفيه كل ذلك ليحرص على ألا يحدث أي أذى لك أو لغيرك!