ـ 1 ـ
لا شك أن الكتاب العربي عموما في أزمة. ولكنه ليس في أزمة تجارية. ومعنى هذا، أن النتاج الثقافي العربي، يفوق كثيرا قدرة الناشرين العرب على استيعابه، وإصداره بالمظهر والإنتاج اللائقين. فهناك آلاف الأعمال الثقافية في كل الأجناس الثقافية، محبوسة في الأدراج، تنتظر الناشر الشفاف، والمخلص، والشجاع لنشرها. ولكن عزاء الكتاب العربي، أن الكتاب على مرِّ الأجيال، وفي كل الحقب، والأماكن، عانى من أزمة النشر معاناة شديدة. وقد قرأنا كيف كان الناشرون في العالم، وعلى مر التاريخ يرفضون نشر أعمال ونتاجات ثقافية أصبحت اليوم من أرفع ما أنتجه العقل البشري، ومن قمم الإبداع الثقافي.
ـ 2 ـ
ولكن الكتاب العربي في الحقيقة، ليس في أزمة تجارية، أو أزمة مالية كما يدَّعي معظم الناشرين. بل على العكس من ذلك. فهو ـ على ما يبدو من عافية الناشرين ـ سلعة مربحة. والدليل المادي، أنه في كل فترة نرى دور نشر جديدة تنشأ في معظم العواصم العربية، وخاصة في بيروت، عاصمة النشر العربي. كذلك نرى أن الناشرين القُدامى في وضع مادي وتجاري يُحسدون عليه. فهم يسكنون في بيوت فخمة، ويقودون سيارات فارهة، ويقضون إجازاتهم في منتجعات راقية، ويلحقون أبناءهم بأشهر الجامعات في أوروبا وأمريكا، ورغم ذلك، يخبرون كتابهم، بأن كتبهم بائرة، وأنهم لم يطبعوا منها ـ خاصة في هذه الأيام ـ غير ألف نسخة فقط. ولكن دون رقيب أو حسيب. والمهم أن النشر في العالم العربي في فوضى كبيرة. وهو مجال للاستغلال الثقافي و"الراقي"، حيث يسرق الناشر جهد المثقف، ولا يُطعمه مما يأكل غير الفتات والفضلات، وهذا في أفضل الأحوال. بل هو في كثير من الأحيان لا يطعمه شيئا، بل يطلب منه ثمن الفاكهة والحلوى، إضافة إلى طبق (المخطوطة) المثقف المجاني، الذي يقدمه المثقف للناشر هنيئا مريئا، مُسيَّرا لا مُخيَّرا.
ـ 3 ـ
منذ عشرين عاما، وفي الثمانينات من القرن الماضي، أدرك رئيس شركة "تهامة" للنشر والتوزيع والإعلان أزمة الكتاب السعودي. وقرر أن يخوض تجربة النشر للكتاب السعودي، لكي يُفجِّر تلك الآبار الثقافية السعودية، التي كانت في باطن الأدراج، وعلى رفوف مكتبات كبار المثقفين السعوديين. فدفع بكل إمكانات "تهامة" المالية للتنقيب والكشف عن هذه الآبار. فقامت "تهامة" بدور ثقافي في ذلك الوقت، بمبادرة فردية خاصة، وبإيمان عميق بدور الثقافة في حضارة الأمم. فقام رئيس الشركة بهذه المهمة، ولم ينتظر عونا ماديا، ودعما ماليا من أحد. بل هو في واقع الأمر انتظر هذا العون، ولكنه لم يأته. وتخلّى عنه الداعمون المُفتَرَضون في ذلك الوقت، الذي كان فيه المجتمع السعودي يغرق في حمَّى استهلاكية شديدة وفاجعة. وكان أضعف الإيمان لدعم دور "تهامة" الثقافي التاريخي، أن يقوم الداعمون المفتَرَضون بشراء عدد من نسخ كل كتاب سعودي تنشره "تهامة"، وتوزيعه على مكتبات المدارس ـ إن وُجدت ـ والمعاهد، والجامعات، والبعثات التعليمية في الخارج. ولكن ذلك لم يحصل حسب علمي. ورغم هذا، فقد ظلت "تهامة" تضخُّ وتنشر الكتاب السعودي لسنوات طويلة. فقرأنا آثارا نادرة لأحمد السباعي، وعبدالقدوس الأنصاري، وأحمد قنديل، وعبدالله عبدالجبار، ومحمد حسن عواد، وعزيز ضياء، وحمزة شحاتة، وغيرهم من الرواد الأُول. كما قرأنا الكثير للجيل التالي والذي يليه. وامتلأت مكتبات البيع السعودية، بكتب "تهامة". ولكن لا قارئ متحمس هناك. ولا دعم مادي للكتاب.
وكان من حق الثقافة السعودية، على رجال الأعمال، الدعم المادي لهذه الظاهرة الثقافية التاريخية، التي احتوت الثقافة السعودية المعاصرة، ونقَّبت عنها، وضختها للقارئ السعودي والعربي، وأخرجتها من الظلمات إلى النور، ونفضت عنها الغبار، وقدمتها رغيفا حارا شهيا وطازجا. فهذا الدور لا يقل أهمية وحجما، عن دور رائد في الثقافة العربية، قامت به "دار المعارف"، و"الهيئة المصرية العامة للكتاب".
ـ 4 ـ
بعد نحو عشرين عاما من "مغامرة" تهامة الثقافية التاريخية المهمة، يحق لنا أن نعترف ونقرَّ، أن هذه "المغامرة" كانت الأمثولة على مدى وعي القطاع الأهلي ـ الذي تخلّى في الثمانينات عن دعمه لهذه الأمثولة ـ لمسؤوليته الكبيرة في المشاركة في خطط التنمية، ومدى وعيه لمعنى الانتماء للوطن وللتنمية، ذلك المعنى الذي يلوكه البعض قولا لا فعلا. فقامت "تهامة" بتحقيقه فعلا، وعلى أرض الواقع، وبثمن مادي ضخم ما زالت ـ على ما أعتقد ـ تعاني من خسارته المالية حتى الآن، حيث تمتلئ مخازنها بكميات كبيرة من نسخ الكتب التي نشرتها في الثمانينات.
وبهذه المناسبة علينا أن لا ننكر أو نتجاهل دور جريدة "الرياض" في إصدارها لـ"كتاب الرياض"، الذي يعتبر المُكمِّل لكتاب "تهامة". والذي تعثّر هو الآخر، لأنه لم يلقَ الدعم المالي الكافي من الداعمين المفتَرَضين.
ـ 5 ـ
في شهر مارس الماضي، وبمناسبة "معرض الكتاب" في الرياض، صرح وزير الإعلام والثقافة الدكتور عبدالعزيز خوجة بأن الوزارة تدرس إمكانية إقامة "هيئة للكتاب السعودي" تقوم بنشر ودعم الكتاب السعودي. وهذه خطوة ثقافية تاريخية جديدة، تُضاف إلى خطوة "تهامة" وخطوة "كتاب الرياض" وتُكمل المسيرة. وآمل من "هيئة الكتاب السعودي"، أن تدرس إمكانية شراء نسخ من الكتاب السعودي المتراكمة في مخازن "تهامة"، ومخازن جريدة "الرياض" وتوزعها على مكتبات المدارس ـ إن وُجدت ـ والمعاهد والجامعات، ففي ذلك إصابة عدة عصافير برميَّة واحدة. أولها اطلاع الجيل الجديد على نتاج الروَّاد الثقافي. وثانيها، تعويض "تهامة" وجريدة "الرياض" عن بعض خسائرهما المالية. وثالثها عدم نشر ما سبق ونشرته هاتان المؤسستان. فهل تكون "هيئة الكتاب السعودي" هي المنقذ من الأزمة التي يعاني منها الكتاب السعودي؟
نأمل ذلك.