كان يا ما كان في قديم الزمان، كانت هنالك ابنة ملك تدعى «ست الحسن والجمال». حقّا، ما الحسن وما الجمال؟!

إن بحثنا لغويا لعرفنا الفارق، ولكن «الحسن» ليس قضيتنا اليوم، بل إنه الجمال، تلك السمة التي شغلت الناس على مر العصور، فكل حضارة وكل شعب كانت له مقاييس للجمال في المظهر الخارجي للمرء، الملابس والفنون والموسيقى، وحتى الطبيعية تم التدخل فيها كي تتماشى مع مقاييس معينة، فيحدث اقتطاع أجزاء منها ونقلها إلى أماكن أخرى، إذ يعاد ترتيبها وتشكيلها على ذوق مجموعة أو رغبة صاحب الطلب، إذًا هل الجمال متغير أم ثابت؟ إذا كانت الاتجاهات والتوقعات تتغير وقد تتلاشى مع مرور الزمن، هل يتغير معها الجمال؟ كلا، ما يتغير هو الذوق، ما يتغير هو الإحساس والمشاعر. في رأيي الجمال باق لا يتغير، لأن الجمال يتجسد بين لحظة انتباه عابرة وأخرى، تعكسه المشاعر وينتعش به كيان الإنسان!.

ما الجمال؟ يقال «إن الجمال في عين ناظره»، هو ساكن العين والسمع، هو مشاعر تلاعب بنسائمها الروح فتنتفض وتتوحد مع الوجود، حتى تضيع في أجمل صمت وأروع ضجيج، يخرج الأول من رحم الثاني ليعود إليه، زمن يمر قد يكون لحظات وقد يكون ساعات، تعيشها بكل جوارحك في حالة تأمل وانسجام، مشاعر توقظ مشاعر، تحرك ذاكرة، تنادي عمرا مضى أو تستجدي عمرا آت، لم يُخلق الجمال إلا للتأمل والاستمتاع، وضعنا عليه سعرا وحوّلناه إلى سلعة تباع وتشترى، واختطفنا بذلك قيمته وقللنا من شأنه! أليس هو ما يجعلنا نتوقف ونراقب في دهشة؟ قد يكون شخصا أو شيئا، أو أمرا غير متوقع؛ ربما يكون فريدا أو نادرا أو ربما يكون طبيعيا، لكن لخلل ما داخلنا لا ننتبه إليه من كثرة تكراره، حدث مثل رؤية وردة تزهر من قلب حجر، أو ضوء شمس ينطلق من قلب الظلام!.

ما الجمال؟ سألت نفسي يوما، إنه سماع الأذان يرتفع في هدوء ما قبل الفجر، أصوات تُسبّح الخالق من روعتها ترفعك إلى ملكوت السماء في خشوع وسلام، إنه يوم الشعور بأول نبض يتحرك داخلي، نبض ينبهني إلى كيان مجهول يسكنني يتشكل من لحمي ودمي، إنه أول لحظة أمومة، أول نظرة تؤكد لي أن تلك اللحظة هي وعد دهر، إنه حين اقتربت يوما من غدير ومددت يدي فجرى إلى داخلي ثم أكمل المسير، إنه حين وقفت تحت شجرة صفاف فسحرني جمالها وأسرني حزنها، إنه حين لامست أوراقها سرت بجسدي رعشة أغرقتني في بحر من الآلام، إنه الوقوف تحت المطر لا يهمك برد أو بلل. مع كل قطرة ماء أمل، هو الوقوف أمام لوحة تموج بالألوان لا تدري إن كنت أنت ذاك الأزرق أم البنفسجي أم اللون الذي يتلاحم ويندمج بهما ضائعا بين تلاق وفراق، ثم تبتعد وأنت تفكر، هل ما زلت تسكنها أم أخذت معك قطعة منها! إنه السير في قلب مَعلَم أثري تحاورك بقايا عابرين من زمن مضى، هو الصمت الذي يغمرك بعد الانتهاء من قراءة رواية أو ديوان شعر، هو لذة تحرر أبجدية من رصاص قلمك، فتراها تتراقص أمامك على الصفحات، مثنى وثلاث ورباع، تنقص وتتكاثر، تثور وتهدأ، تعاند وتصالح، ترنو ثم تفارق لتسكن كل من يستضيفها في رواق فكره أو همس روحه، إنه نغم مقطوعة موسيقية يبدأ من أصغر نقطة في ذاتك ويتوسع داخلك، كتحرك أمواج بحيرة حين تلامسها نسائم الربيع، إنه كلمة طيبة في لحظة يأس، إنه دمعة فرح في لحظة ألم، إنه التحرر من تأثير البشر، إنه أن تحب ذاتك وتحتفي بكل آخر، إنه فجر جديد بعد ظلام حالك، إنه أن تُحَب حين لا تكون قادرا على أن تُحِب، هو يد تمتد إليك في أحلك أوقات حياتك، هو حضن يحتويك وأنت عاجز عن العطاء، إنه تعاطف ورحمة في صورة فعل، إنه الأمل في مواجهة الظلام والقهر، إنه حين نفقد الأمل ونكتشف أن القوة تكمن داخلنا، إنه العيش بقلبٍ شاكر وحامد للنعم، إنه حين تصالح خطوط الزمن على صفحات وجهك، إنه الابتسام بين انهمار الأدمع، إنه أن تكون في عين نجمة وفي قلب رحمة وفي روح نسمة، إنه أن تكون الذكرى، وأن تكون النسيان، إنه أن تكون قوة الصوت وصحوة الضمير، إنه حين تسأل يدا ترد أيادٍ، إنه حين نستبدل الخنجر بالقلم، إنه تأخر الحكم وسرعة التسامح، إنه حين تتضح البصيرة ويشرق النور!.

حين يناديك الجمال توقف وتأمل، تعلم وتدبر، إن أنت أنكرته دعوت الجفاف وتصحرت حياتك!، حين يناديك الجمال أصغ وتفاعل، كيف تقوى أن تستدير، أن تتجاهل، أن ترفض أمواجا تتسابق إلى شواطئ ذاتك، كل موجة تضرب وترا فتخرج من بين أضلعك ألحان وأشجان!.