يثبت الواقع الآن أن الانتماءات القطرية لا تمثل تضادا ولا تعارضا مع الانتماءات بمفهومها الثقافي والتراثي، بل ربما تسهم في دعمها والحفاظ عليها كما هو في التجربة السعودية، فالسعوديون لا ينتمون لدولة الدين الإسلامي، ولكنهم ينتمون لدولتهم المملكة العربية السعودية التي تمثل كيانا سياسيا حديثا، ديانته الإسلام وأحكام الشريعة المعتدلة والوسطية هي التي تمثل تطبيقاته وأحكامه اليومية. وهنا تبدأ المعادلة في الاشتباك.
الانتماءات الدينية والانتماءات القبلية والجهوية، تشكّل السعوديين وجدانا وقيما ولكنها لا تنظمهم ولا تمنحهم المؤسسات ولا تمنحهم القدرة على إدارة حياتهم في سياقات الواقع المعاصر، لأن الذي يصنع كل هذا هو الدولة، في صورة أشبه ما تكون بإدارة قيم الفرد وحياته، ومنحه المناخ الأنسب والأكثر ملاءمة لتلك الإدارة، ولا يستلزم ذلك من الفرد أن يتداخل انتماؤه للدولة مع انتمائه الخاص، إذا ما وضعنا بالاعتبار أن تلك الانتماءات بإمكانها أن تكون باعثا على المزيد من التنوع والثراء في مختلف الجوانب.
تورط التدين المتشدد كثيرا في فهمه لهذه المعادلة، واشتبكت لديه خطوطها، ليصل إلى تصور باتت فيه الدولة بالنسبة لديه أشبه بالدولة المشروطة، وحتى ما تردده تلك الأصوات من تغنيها بأن الدولة تطبق الشريعة الإسلامية ليس امتداحا للدولة، ولكن امتداحا لدوره هو في ذلك التطبيق، ولحضوره كمشروع وراع ومانح للتصويبات والمصادقات على شرعية الدولة، مستعرضا ذلك بالدعاء لها ، لكنه ما يلبث أن يقع في ورطة واضحة ومحددة المعالم حين يرى أن الدولة تتجه إلى رؤية معتدلة ووسطية، وهو ما يخالف توجهات وقيم التشدد، فتنفرط لديه قصائد الثناء على الدولة وتطبيقها للشريعة الإسلامية، إلى أجزاء فتراه يذم وزيرا، ويمتدح آخر، ويشنع على إجراء في إمارة منطقة ما، ويترضى عن آخر، مما يعني أن موقفه بات مرهونا بالمواقف، ورضاه بات معلقا بالأحداث، وليس بالكيان قيمة ومؤسسات وواقعا.
الدولة القطرية الحديثة لا يمكن أن تكون دولة ثابتة في رؤيتها ومواقفها التنموية، هذا فيما يتعلق بالداخل، إضافة إلى أن مواقفها السياسية وتحالفاتها الخارجية أيضا لا يمكن أن تحظى بالثبات، بل هي جزء من الواقع السياسي المحيط بها، وكل عمليات التأثر والتأثير لا تتم إلا بتغير في المواقف والآراء، وهذا منطق إيجابي وعصري رشيد.
أمام هذه المعادلة، وما تعكسه من ورطة للصوت الديني المتشدد تنهض المعارك والتي من أكثرها حظوة بالحفاوة من قبل التشدد، ما بات يعرف بمعركة التغريب، وهي في الواقع لا وجود لها إلا في أذهان من اختلطت لديهم شخصية الدولة ودور مؤسساتها، بانتماءاتهم التي لا ترى في الدولة سوى وكيل شرعي عنها، ومهمته هي تطبيق الشريعة الإسلامية كما يرونها، ووفق ما يؤمنون به من رؤية لتلك الشريعة، حتى إن اختلف ذلك مع أبجديات الدولة الحديثة.
في عام 2006 تقدم أحد الفقهاء بمبادرة لحل مشكلة العنف في السعودية، تلك المبادرة تتكرر على شكل مواقف في كثير من حركات الممانعة التي يقودها التشدد ضد أداء مؤسسات الدولة، ولأن الدولة الحديثة في واقعها الإداري والتنفيذي إنما هي منظومة مؤسسات، فإن ما تواجهه تلك المؤسسات من قبل التدين المتشدد ليس نقدا، ولا يحمل أيا من مضامين النقد البناء، ولكنه نوع من التلويح بفقدان تلك المؤسسات لشرعيتها، ومن المضحك جدا، أن يحاول أحد أن يصور مؤسسات الدولة على أنها لا تتمسك بأنظمة الدولة، لأن ذلك ليس سوى شكل من أشكال الورطة التي يقع فيها هذا الخطاب، فهو لا يستطيع القول بأن الدولة لا تطبق الشريعة، فيتجه لمهاجمة وزارة العمل، ومهاجمة وزارة التربية والتعليم، والصحة والإعلام والقضاء والتعليم العالي وغيرها، وإذا كان هذا هو حال مؤسسات الدولة في نظر التشدد، أنها ترعى التغريب وتسعى للإفساد والإخلال بالثوابت الشرعية، فماذا تبقى للدولة إذن. ثم إنه إذا كانت كل تلك الأخطاء ترتكب من خلال وزارات الدولة فما الرؤية التي تستند إليها تلك الوزارات، والتي لا تنتج إلا ذلك التغريب؟ إن تلك الاتهامات الموجهة لتلك الوزارات هي نوع من هروب التشدد من المواجهة الحقيقية التي يحلم بها، ويرى فيها الصواب الأمثل، وهي مواجهة الكيان كاملا، فالتشدد يرى أن الوسطية تخذله، والتقليديون المتشددون يرون أن الاعتدال يمرر أفكارا لم يألفوها، والوسطية والاعتدال هي أبرز أدوات الدولة في الموازنة بين واقعها كدولة عصرية، وبين انتماءاتها كدولة مسلمة.
الواقع الآن، يقول بأن على كل وزير أو مسؤول يجد أن وزارته أو إدارته تتعرض لهجمات منظمة من قبل التشدد، أن يشعر بأنه يؤدي دوره ومهامه وفق ما تقتضيه مكانته المؤسساتية الوزارية في دولة حديثة، ذلك أن الهجوم الموجه ليس له وليس لوزارته، ولكنه موجه ضد الرؤية التي ينطلق منها، وضد وعي وذهنية المؤسسة الحديثة التي تدير الحياة في الدولة الحديثة.
المواجهة الآن في أولها، وهي نوع من الالتباس المبدئي بين الانتماءات، فالذين يؤمنون بوعي الدولة ودورها، هم الناس الذين يعيشون المؤسسات ودورها ويستفيدون من قيمها وأدواتها، ويبنون ذواتهم لبناء وطنهم من خلالها، فيما الذين يقفون أمام تلك المؤسسات صراخا وعويلا إنما يعيشون صدمة انتماءاتهم التي تتراجع أمام انتماء يحتاج لوعي جديد.