من أشد الأمور إيلاماً أن نختلق حكايات عن الراحلين من مبدعين وغير مبدعين لتحقيق مجد متوهم مبني على رواية مزعومة لن يستطيع أحد نفيها.
جمعني منذ أيام على الفيس بوك حوار مع الروائية فوزية الخليوي والزميل في "الوطن" الدكتور محمد خير ندمان.. تحدثنا فيه عن تهويل البعض لأغنيات هابطة وتحويلها إلى أغنيات ملتزمة عبر تأويلات مخترعة لتناسب رواياتهم. وفي سياق الحديث جاءت حكاية الصحفي أحمد الشهاوي عن مفاجأة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش له حين حدثه - عن إعجابه بأغنية "العتبة قزاز والسلم نايلو في نايلو". وأشار الشهاوي إلى أنها "أغنية شهيرة ذاعت بعد هزيمة 1967" في تلميح إلى بعد سياسي لها! والشهاوي الذي لم يجرِ حوارا واحدا مع الشاعر كتب ذكرياته معه - بعد رحيله بشهرين - مؤكدا اشتراط درويش ذات يوم على أحد مسؤولي مكتبة الإسكندرية أن يكون هو (راوي الحكاية) موجودا ليصاحبه في نشاطات مقررة بالإسكندرية!.
ويضيف: "ولما كان محمود يعرفُ أنني أحب صوت عفاف راضي، وأنها قريبة مني روحا وشخصا، فقال لي: عفاف راضي صوتها خاصّ جدا". والعبارة توضح أن درويش لم يكن يعرف كل تفاصيل حياة الشهاوي فحسب، بل كان يضطر لمجاملته أيضاً!.
من حسن حظ الراحل أن من كتب المذكرات لم يتحدث عن إعجابه بأغنية "الطشت قال لي"، التي - على رأي محمد خير - قد يظهر فيلسوف يقول إنها من أغاني المقاومة اللبنانية والطشت هو الأرض، والحلوة هي المقاومة والوساخة هي الاحتلال.. ويتابع محمد خير: قد نفاجأ بأن أغنية "بوس الواوا" من الأغاني الحماسية حيث ترمز الـ"واوا" لدى هؤلاء المتفلسفين إلى غزة و"البوسة" لصواريخ المقاومين!.
يستمر حوارنا على الفيس بوك، لنصل إلى اقتراح ساخر بكتابة مقالات لتحليل الأغنيات التي يحسبها الناس هابطة مثل "العتبة قزاز" ومَنْ غنتها بالمناسبة هي صاحبة "مشربش الشاي" التي قد يقول أحدهم إنها أغنية ملتزمة والراحل فلان أعجب بها!.
كثيرون سردوا ذكرياتهم مع محمود درويش، بعضهم كان إيجابيا، وبعضهم الآخر أخطأ بحقه.. وممن أخطأوا أيضا، أولئك الذين جمعوا أوراقه المتناثرة وأصدروها في ديوان بعد رحيله تحت عنوان (لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي)، فربما كانت القصائد ستخضع لتعديلات الشاعر كعادته في كل كتاباته.