هكذا كان عنوان الفيلم الذي شاهدته منذ زمن بعيد، ولم أفهم من القصة سوى أنها عن معلم عظيم، قام بتحويل طلاب مشاغبين في منطقة شعبية من مدينة لندن إلى أمل ومستقبل واعد، من خلال صبره وإيمانه بمبادئه، ومن خلال رؤية قدرات في حالة ضياع كانت بحاجة إلى إخراج من الظلمات إلى النور، إنها قصة حياة معلم حُوِّلت إلى فيلم، ذكر فيها خبرته كمعلم احتياط، وهو في الأصل كان يبحث عن وظيفة مهندس، ولكن وافق على هذه الوظيفة كمحطة إلى أن يجد ضالّته، ولكن الذي حدث أنه وقع في حب المهنة، وأصبح معلما مدى حياته العملية!
إنها وظيفة إما أن تقع في حبها وإما أن تتركها، لأنها كما يذكر كثيرون عنها، أنها مهنة المتاعب، لكنها جنة كل عاشق لها!
وحين أتى يوم المعلم العالمي تذكّرت «To Sir With Love»، وكلمات الأغنية التي كنت أرددها حتى قبل التمكن من معاني المفردات باللغة الإنجليزية، وبدأ شريط حياتي المدرسية يعود وينفتح أمامي كادرا بعد كادر، ومشهدا بعد مشهد، كم من معلم وكم من معلمة تركوا ذاك الأثر في روحي بكلمة.. بعبارة.. بسطر من الطباشير على لوح أسود!
دول كثيرة حول العالم تحتفي بهذا اليوم، لما تراه من أهمية المعلم من قبل أولئك الذين استفادوا من المعلمين في حياتهم، وتحتفل كل دولة على طريقتها، ولكنه يظل يوما عالميّا خُصِّص له الخامس من أكتوبر من كل عام، بعضها تراجع القوانين التي تخصّ المهنة، وبعضها تكرّم المعلم المميز، وغيرها تقوم بحملات توظيف للمعلمين، وإقامة المؤتمرات التي تؤكد أهمية المعلمين والعملية التعليمية، ومنها ما تقدّم دورات مجانية للتدريب، والأجمل من هذا كله ما يقوم به الطلاب والتلاميذ من توزيع الزهور على المدرسين والمدرسات، حتى إن بعضهم يقوم بإعطاء الدروس للتلاميذ الصغار في المدرسة حتى يعطوا معلميهم يوم راحة، أما عندنا؛ وفي الدول العربية تحديدا، فيقوم الطلاب بكتابة أجمل عبارات التكريم والشكر والامتنان، وإرسالها إلى معلميهم ومعلماتهن.
أذكر كم كنت أنتظر هذا اليوم لأشارك في كتابة تلك العبارات الجميلة على «كارت» التهنئة الذي كنت أصممه بنفسي، مزيّنة إيّاه بالورود والرسوم الجميلة، أحاول أن يكون خطي جميلا وواضحا، وأنتظر معلمتي على باب الفصل لأسلمها نتاج حبي وأنا أذوب من الخجل، وكلّي أمل أن يكون أجمل ما قُدِّم لها، فلم يكن الخروج من المدرسة مسموحا لنا إلا في الإجازات الرسمية، وعليه لم يكن باستطاعتي شراء كرت معايدة جاهز كالبقية؛ كرت صنع في الصين أو كوريا أو أي بلد آخر، ما كنت أقدمه كان من صنع قلبي!
وحين بدأت بالأمس تصلني خطابات الشكر من طالباتي، شعرت وأنا أقرأها وكأنني أعود بالزمن وأخاطب معلمتي!
يا الله، تدور الأيام وتعود إلينا خطاباتنا بمشاعر جميلة تفيض محبة، وعبارات تدخل إلى القلب، وتجري الأدمع على الخدين، إنها دموع تمسح كل تعب، وتزيح كل ضيق، وتضيء مشعلا في طريقنا، نتمنى ألا ينتهي، وأن يستمر إلى أن نجد أنفسنا عاجزين عن الوقوف في قاعة الدراسة، وتقديم أفضل ما لدينا لزهرات بساتين قلوبنا، إنها زهرات تتجدّد كل عام، وزهرات تتحوّل إلى عطور يصل شذاها إلى أبعد حدود هذه الأرض الطيبة.
أيها المعلم، أيتها المعلمة، أن تكون جيدا في مهنتك فهذا عمل نبيل، ولكن أن تنشر العلم والمعرفة في قالب من المحبة والعطاء فهذا أكثر نبلا.
أن تقوم بإعطاء تلاميذك المساحة التي يحتاجونها حتى يتعرفوا على إمكاناتهم، ويتمكنوا من تطوير قدراتهم، أن يكتشفوا تلك الطاقات الكامنة داخل ذواتهم، وأن تحتفي بكل إبداعاتهم، حينها أنت لا تبني، إنك تحرث أرضا، وتغرس بذورا ستثمر يوما، وتتذوّق حلاوة طعمها يوم تأتيك رسالة شكر بعبارة بسيطة، ولكنها من قلب وفيّ أصيل، حينها ستدرك أن كنوز الدنيا لا تساوي لحظة انتشاء تغمرك من رأسك حتى أخمص قدميك، واثق الخطوة تمشي ملَكا، وتنظر إلى من حولك بكل فخر، ولسان حالك يقول: هذه ابنتي... هذا ابني!
وإلى بقية أفراد المجتمع أقول، إن هذا اليوم يهدف إلى زيادة الوعي بأهمية الدور الذي يؤدّيه المعلمون في جميع أنحاء العالم، فمسؤولية تثقيف وتهيئة الأجيال القادمة ليست بالمهمة البسيطة، وليست بالسهلة، لنتذكّر فقط الإجازة الطويلة وتذمّر كثيرين من أولياء الأمور من تحمل مسؤولية الأبناء، والإرهاق الذي أصاب البعض من جرّاء وجودهم المتواصل داخل حجرات المنزل، وهم يتحرّكون بطاقات يصعب أن تحاصر أو تقيّد! فكيف بمعلم فصل بعدد كبير من التلاميذ؛ بخلفيات، واحتياجات، وقدرات، وميول واتجاهات مختلفة؟! أليس أقلّ دعم نقدّمه هو التفهّم والتواصل وتقديم المساعدة ما أمكن؟ إنّ من حقهم علينا أن نُفعّل هذا الدعم بتقديم كل الاحترام والتقدير، فنحن قدوة لأبنائنا، وأفكارنا واتجاهاتنا تنعكس في سلوكياتهم داخل وخارج جدران المدارس والفصول! لنحتفي بهم ليس فقط ليوم واحد، بل على مدار أيام السنة!.