يقال إن جريرا عدّ نفسه أشعر الناس، لأنه فاخر تسعين شاعرا بأبيه فغلبهم، رغم أن والده كان قبيحا بخيلا قميئًا لا قيمة له في عرف العرف أبدا، لكن ابنه العظيم كان يظهره وكأنه فارس شهم كريم، حتى صدقه الناس.

لا شك أن جريرا -وهو مراهق- قارن بين والده وآباء أصدقائه أو جيرانه، وقطعا ربما مرت به لحظات غضب كان يؤذيه فيها هذا القبيح، لكنه قطعا نجا من زماننا، فالله وحده يعلم ماذا كان سيفعل مراهق غاضب لو امتلك جوالا وسناب شات، ربما صور والده في أسوأ حالاته دون أن يدرك أنه في زمن المستقبل قد يدان بهذا الأب، وهو ما لا يدركه آلاف المراهقين اليوم، فتيات وشباب، وهم يلتقطون لآبائهم فديوهات وينشرونها عبر الإنترنت للشكوى أو غيرها، وتكاد لا تشرق شمس إلا ونحن في فضيحة تويترية عن أسر سعودية تشارك العالم كله خلافاتها الأسرية.

إن ذلك لا يحدث بالدرجة نفسها في الدول القريبة منا، مما يدفع إلى سؤال: هل أصبحت موضة أم سلوكا يتواصى به المراهقون، أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وأنه مؤشر أن لا أحد يسمع هؤلاء ولا يصدقهم، فيندفعون إلى سلوك يوقنون معه أنه طريق النجاة الوحيد، حتى لو أدى إلى شماتة زملائهم أو معايرتهم الآن أو حين يكبرون؟!

إذا كان الأمر كذلك، فعلى الدولة مراجعة إجراءات البلاغات التي يقدمها المراهق، وهل تحظى بأهمية قصوى، ويُحقَّق فيها، أم أن الأمور ما زالت تخضع لأنظمة العلاقات الشخصية، والموظف الرسمي في هذه الأجهزة لا يشعر بمسؤوليته عن حماية هذا المراهق، فيتصرف بطريقة بدائية كأنه شيخ حارة واجبه الإصلاح وتوجيه النصائح لأطراف العلاقة «الأب والمراهق»، بدلا من أن يحيلها إلى الجهات المختصة بحماية الطفولة والمراهقين، والتي يجرى فيها تحقيق ومساءلة من متخصصين.

على كل حال، هذه الظاهرة تحتاج إلى اهتمام أكبر من جميع الوزارات المسؤولة عن المراهقين، بتوعيتهم بخطورة كشف أسرارهم وإيذاء ذويهم، فلعل الأمر أيضا يتعلق بعدم وعيهم بخطورة الأمر