تعاني معظم مدننا -إن لم تكن الكل- من تفلت واضح لحيوانات تتراوح بين المفترسة والأليفة، وتتفق جميعها في حملها ملايين الجراثيم والأوبئة، إما بين أوبارها وأشعارها أو في بطونها وأنيابها وأسعارها..

وتكمن أخطار هذه الحيوانات في ثلاثة أشكال رئيسية: إما خطرها على المرافق العامة، أو خطرها المباشر على الأشخاص بنقل الميكروب Zoonosis، أو خطرها على الحركة المرورية للمركبات.. وكل نوع من هذه الأنواع ينافس صاحبه على الخطورة والكارثة.

من أبرز هؤلاء «الغزاة» الذين لم يجدوا مقاومة من البلديات تذكر القطط والكلاب والحمير، وتكمن خطورة هذه الحيوانات السائبة في أنها تنقل للإنسان أمراضا عدة يأتي على رأسها مرض داء القطط Toxoplasmosis، وهو مرض ميكروبي خطير جدا، خصوصا على الحوامل، حيث إنه لا يكتفي بالأم، بل يصل إلى جنينها في بطنها ويقتله! وإن كان هذا الجنين «محظوظا» فإنه سيعيش أعمى ويعاني من الصرع والتخلف العقلي!

ومن الأمراض التي تسببها القطط والكلاب على حد سواء السعار Rabis، هذا المرض الذي يصيب الجهاز العصبي، وهو عندنا في الطب خطير جدا ومسببه فايروس تنقله هذه الحيوانات، وغير ذلك أمراض الجروح الناتجة عن الخدش، والتي تتخلل بكتيريا هذه الإصابات إلى جدران الأوعية الدموية وتجرثمها! فضلا عن السالمينولا Salmenolla المتواجدة في جهازها الهضمي والبكتيريا التي تنتقل بالغذاء Camplyobacter والأخرى Giardia، والتي تسبب للمريض إسهالا وحمى يؤديان به إلى الجفاف الخطير، ولهذا الجفاف ما له من المضاعفات! وغير ذلك من الديدان Toxocariasis التي تأتي من البويضات المنتقلة للأغذية الملوثة بهذه الحيوانات، فتنتشر في جميع أنحاء الجسم، فتضخم الكبد وتصيب الرئتين، ناهيك عن الجهاز الهضمي وما يحل به من دمار!

وبعيدا عن جسم الإنسان، فإن لهذه الحيوانات خطرا على حركة المرور، فهي تتواجد بشكل سائب على الطرق السريعة ولا يمكن لقائد المركبة تلافيها إلا فيما ندر، إذ تتصف بألوان داكنة يصعب تمييزها، خصوصا في فترة الليل، مما يسبب حوادث مرورية لا تحصى قد يترتب عليها وفاة أسر وإتلاف ممتلكات، كما رأينا هذه الحيوانات للأسف «ترعى» بأمان وراحة تامة تلك الشجيرات التي تضعها البلدية في الجزيرة الفاصلة بين الشوارع، وكأن البلدية قد طاب لها ما ترى، فلربما قامت هذه الحيوانات بتقليم الأشجار بدلا عنها!!

وبعيدا عن هذا وهذا، فإنك عندما تجلس في أحد المطاعم الشعبية ذات الجلسات الخارجية الأرضية فإنك لن تهنأ بجلستك، لتردد أفواج القطط عليك متوسلة إليك في حضورك، ساطية على وليمتك في غيابك، ولا تسأل إذن عن كم تحمل تلك الجلسات من الميكروبات التي تجلبها لك هذه القطط المتسخة السائبة، والتي كانت قبل دقائق من مجيئها إليك «تتسكع» بداخل أحد صناديق القمامة!

وفي الحدائق وفي مرافق «الممشى» فإن أطفالنا -وربما نحن- لن نكون آمنين عندما نمارس الرياضة ليلا، «فقطعان» الكلاب تأبى أن نشاركها في التنزه الليلي الذي امتلك به المكان..

كما أن لهذا الشأن إزعاجا للنائمين، مما يتسبب في أرق للمواطنين يورث قلة إنتاجية عندما يذهب إلى عمله في يومه التالي وعيناه حمراوان تفيضان بالدمع!

ختاما، فإن مقالي هذا -وإن أغضب البعض- فإني لم أكتبه إلا بعد رصد دام شهرين كاملين قضيتهما تنقلا بين عدد من المدن، وقلت لربما كانت هذه الحيوانات «عرضية» إلا أن الأمر لم يعد يطاق، فحياتنا الصحية وحياتنا «المرورية» وأطفالنا وإنتاجية موظفينا كل ذلك يستحق منا النداء، وعلاج المرضى ممن يصاب بدائها يكلف مليارات وأعظم منه خسارة الأرواح، إزاء ذلك كله فإن الإجراءات الوقائية لا تكلف شيئا، فأين البلدية؟!!