رغم القول إنّ " الشعرَ أمنعُ من أن يوصَف وأرحبُ من أن تسيّجَهُ الكلمات" الذي يأخذ بتمنّع الشعر عن إقامةٍ موصوفةٍ يُهتدَى إليها وعن ميقاتٍ معلوم يرتفعُ فيه الحجاب؛ فتتوضّح معالم وتتلألأُ ملامح، إلا أن هذا الكائن الغامض يعرف لمن يترك الأثرَ ويدعُ خيوطَهُ اللامرئيّة في عهدتِه يستدلّ بها ويتابع الخطواتِ المتمهِّلة على ضوء الرّوح.

لا يوقفه غبارٌ، ولا تعتقلُ مسيرتَهُ حُلكة. زادُه الأسئلة ونَزْرٌ من الكلمات يضفّر بها هامةَ القصيدة إكليلاً ينتعش ويحيا بالرغبة ورجفتِها وبالحنين وسوطِ ذكرياته الذي لا يهدأ.

يصل إليها، إلى القصيدة، مغسولاً من الصدأ ويشعل قنديلَه فاتحا قميصَ الكلمات في ريح الكتابة تهبّ من فِجاجِهِ العميقة المختلطة بصهد الحاضر وعبير الأمس.

يهبط..

يهبط..

ثم يصعد في معراجِ النشوة ودبيبُ الرعشةِ يسري في أعضائه. حينها يعرف علامة المنزل وأيَّ ضوءٍ يغمر قاطنيه.

ذلك منزل الشّعر والشعراء.

الشاعر حسن السبع أحد المشّائين إلى هذا المنزل العظيم منذ "زيتها وسهر القناديل" حتى "يوصلة للحب والدهشة" مرورا بـ "حديقة الزمن الآتي"، يتوقّى المسارات الخاطئة والإشاراتِ المموّهةَ الخادعة؛ يدركها حسّاً وحدساً وهو القادم محمولاً في ريح قديمٍة تمتزج بعبق الجديد.

يسهر حسن السبع على قصيدته، يصنعها على عينيهِ؛ لَدِنَةَ العود نَضِرَةَ الإهاب.

يستخلصُها من كمين الوقت الأنيق إلى كمينه الورقي كأبهى الطرائد وأحلاها التي تعطي حياتَهُ المعنى، وتؤشِّر على وجوده المنذور ـ حتماً ـ للتصرّم والهباء، لكنّه الموصول أبداً بأثرٍ لا يزول؛ توقيعِ حضورِهِ في هذا العالم:

(ولكنها غداً قد تراني

حين أرحل كالطيفِ عن عينِها

قد تراني/ نبتةً في حديقةِ القولِ تنمو

أو نيزكاً عابراً فضاء المعاني).

مع هذا الحضور يطيب للقارئ أن يقرأ وأن يسمعَ لحناَ لا يريد أن يكتمل في محاولة العثور على ظلِّ "نرفانا"؛ عذابِ الشاعر وكلمتِهِ ومعناه؛ نرفانا الإغراء والغواية والجمالِ الذي لا يفتر ولا يرحم:

(كلٌّ يدعي وصلاً)

بنرفانا..

ويمضي العمرُ

ما وصلوا

وما نهلوا

وما عثروا على ظلّ

لنرفانا.