ليس من السهل قراءة هذا «الخطاب الهيروغلوفي» الذي وضعه الزمن على مهل في «صندوق بريد» كل واحد من سكان المعمورة، والذي اسمه: «عقد التسعينات» أو «عالم التسعينات»؟ ليس لندرة قراء «الهيروغلوفية» بين سكان المعمورة فقط -وإن كان ذلك وحده يكفي-، ولكن لأنه عقد «برزخي» يأتي بين قرنين: قرن يذهب وآخر يأتي، فهو عقد الانتظار والتوثب لاستقبال القرن الواحد والعشرين، وهو عقد «الوداع» من القرن العشرين، قرن التحولات الكبرى الذي شهد حربين عالميتين، وقيام وزوال أول تنظيم أممي، وانشطار الذرة، وميلاد عشرات الدول المستقلة، وحرب العقائد الباردة بين المعسكرين، وكسر حاجز الزمن وثورة الاتصالات.

ولأنه عقد برزخي انتقالي فسيكون «مهتاجا» متوترا، شديد القلق، كثير الانفعالات، مملوءا بالاضطراب الذي يشبه اضطراب الطائرة لحظة انتقالها من الطيران فوق البحر إلى الطيران فوق اليابسة!

ولذلك ومن الوهلة الأولى فإنه يبدو كـ«لوحة سيريالية» شديدة التعقيد رسمها فنان السيريالية الأشهر «دالي» على «عجل»، ليتداخل فيها اللونان الرئيسيان: «الأزرق» و«الأحمر» وهما يشغلان مساحة اللوحة كلها، دون أن يتركا بوصة واحدة لأي ألوان أخرى مغايرة ومختلفة.

إن أحداث مشهد الافتتاح لهذا العقد البرزخي عقد الانتظار والوداع، وعلى جانبيه المهمين: الأميركي والسوفييتي قد تقربنا من فك رموز هذا الخطاب «الهيروغلوفي»، أو من فهم بعض خطوط هذه اللوحة السيريالية شديدة التعقيد؟

فعلى الجانب الأميركي كان حدث الافتتاح هو ذلك الغزو الأميركي الخاطف لـ«بنما» -عشية أعياد الميلاد ورأس السنة لأول عام من أعوام هذا العقد- وآلاف الجنود الأميركيين يحاصرون الفارة الباباوية -وسط ذهول العالم- طلباً لـ«نورييجا» رئيس جمهورية بنما «المستقلة»!! وبأسباب ولأسباب واهية أدهشت العالم وذكرته بـ«الأسباب» الواهية ذاتها التي قدمتها «بريطانيا» و«فرنسا» عشية غزوها قناة السويس قبل أربعة وثلاثين عاما، بينما أسباب الغزو الحقيقية واحدة في الحالتين: إحكام القبضة على «قناة بنما» المقرر استردادها من قبل البنميين عام 2000، حسب اتفاق يناير 78، وإعادة السيطرة البريطانية الفرنسية على قناة السويس بعد خروج البريطانيين منها. فـ«بنما» بين القارتين الأميركيتين هي «السويس» بين قارتي آسيا وإفريقيا، والرجل الذي شقها واحد، هو الفرنسي «ديليسبس»، وللأهداف الاقتصادية والإستراتيجية ذاتها.

ولكن الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور قال بفروسية، وعين على «مصالحه» وأخرى على «نياشينه» عندما دُعي لـ«المشاركة» في غزو السويس والتواطؤ مع إنجلترا وفرنسا وإسرائيل: «لن أمثل أمام الله ويداي ملطختان بالدم»، ولكن الرئيس «بوش» كان معذورا، فلم تكن على صدره تلك الـ«نياشين» التي يضع عينا عليها، ولذلك اكتفى بـ«النظر» إلى مصالحه بـ«كلتا» عينيه، فكان أن غزا بنما.

على الجانب السوفييتي كان حدث الافتتاح لعقد الانتظار والوداع أكثر إثارة وأهمية وعصفا، فقد تساقطت النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية الواحد بعد الآخر وكأنها علب من صفيح أو كرتون، وساحت تماثيل البطش والجبروت وكأنها كانت من الشموع. صحيح أنه كان هناك غزل أميركي مع «بولندا» و«تضامنها» ونجم تضامنها «فاليسيا» الذي زكته الولايات المتحدة حتى حصل على جائزة نوبل كـ«مهر» للمستقبل الذي كانت تعرفه الولايات المتحدة وترسم له، وكان هناك تدليل أميركي لـ«شاوشيسكو» باعتباره أكثر الحلقات حيوية ومرونة بين الشرق والغرب، ولذلك فإن ما حدث فيهما وفي سواهما من دول أوروبا الشرقية كان مجلبة للسعادة الأميركية لولا حادثة الغزو لبنما التي كانت تعكر صفو تلك السعادة، لكن ما حدث في ألمانيا الشرقية بقدر ما أسعد الأميركيين بقدر ما أقلقهم هم والسوفييت معا. فـ«ألمانيا الموحدة» أو «الواحدة» هي صاحب فكرة «الزمن الألماني في المكان الروسي»، وسوف تكون خطواتها الأهم قصر الزمن أم طال في الالتقاء بتاريخها وكبريائها واسترداد عظمتها. أي في وحدتها، وهي في هذه الوحدة ستكون خطرا على السوفييت، وتمردا على الأميركان.

لقد كانوا يقولون وقبل أن يأتي «جورباتشوف» إلى السلطة «اليوم بات الكلام في موسكو أسهل، إذ قبضة البوليس باتت فوق الرؤوس ولم تعد على الحناجر»، وكثر «الكلام»، وتشعب الكلام، وجاء جورباتشوف وكتب «الكلام» فكانت «البريستيرويكا» أو إعادة البناء، وفي مقدمته البناء الاقتصادي الذي لن يكون سهلا ميسورا يعمل بسرعة على تضييق فجوة التخلف الاستهلاكي الذي يعانيه المجتمع السوفييتي مع وجود «فاتورة» حب ومساعدة ومساندة وكلفة برامج تنمية منظومة حلف وارسو الاشتراكية. فليدفع «المليونير» الأميركي الفاتورة، وفي العادة فما الحب إلا للحبيب «الأول»!!

فهل يعني هذا أن محاولة قراءة «الخطاب الهيروغلوفي» أو«اللوحة السيريالية» تقول بأن عقد التسعينات -عقد الوداع والانتظار- هو عقد أميركي؟ فـ«الاتفاق» قد تم في «مالطا» بين الزعيمين الأميركي والسوفييتي على كل شيء: على «الجغرافيا» وعلى «التاريخ» أيضا، وأوروبا الشرقية التي مزقت ثوب الشيوعية من فوق جسدها ستركض حافية القدمين -كما يتمنى الأميركيون- إلى فردوس الرأسمالية لتجد «بوش» في انتظارها على بابه.

لكن هناك من يقول بأن: «القطط الكبيرة تتأمل، والصغيرة تلهو»، وفي المقابل فإن هناك من يقول: «أساسا التوفيق بين قطتين أمر صعب»، والأهم من ذلك أن العالم لا يستطيع أن يسير بـ«ساق واحدة»، ولا يرى بـ«عين واحدة»، ولنرجع إلى التاريخ لنرى جانبا مما حدث بعد أن انطفأ حريق الحرب العالمية الثانية الهائل وخرجت أميركا وروسيا منتصرتين فيها، لتحتلا مقعدي المقدمة في مركبة قيادة العالم، فلم يكن عقد الخمسينات -وهو الذي تلا عقد الحرب مباشرة- عقدا أميركيا ولا سوفييتيا، ولكنه كان عقد قوى التحرر والتحرير في العالم الذي برزت فيه شعوب وزعامات ناضلت من أجل حريتها واستقلالها في كل من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ثم نالتهما بجدارة واستحقاق، لتتحول معظم تلك الزعامات عبر مخاض نضالها وتجربتها إلى زعامات تاريخية أخذت تقاسم القطبين الكبيرين مسؤولياتهما، وتعمل بمعزل عنهما، مؤيدة من قوى الحرية والشعوب المناضلة في سبيلها في شتى أنحاء العالم، حتى ضجرت الولايات المتحدة من هذه الدول حديثة الاستقلال التي تشاغب عليها في «الأمم المتحدة» وتحرجها في «مجلس الأمن». لقد تحولت الدولتان العظميان من دولتين تقودان العالم إلى دولتين تدافعان عن مصالحهما، بالاسترضاء السياسي مرة، والاقتصادي مرة، وبـ«الحرب» أخرى.

ثم كان عقد الستينات عقد المواجهة بينهما وبين كل منهما والآخرين، بعد التورط الأميركي في «فيتنام»، ووصول مئات الآلاف من الجنود الأميركيين للدفاع عن «سايجون» ونظامها وسقطت «سايجون»، وانتصر الزعيم الآسيوي البارد الذي قال -في قمة الغارات الجوية المكثفة على «هانوي»- بثقة وطمأنينة ودون خشية من المارد الأميركي: «لقد أصبحت لحومهم قريبة من أظافرنا»!!

ثم كانت كارثة 67 على الوطن العربي، انتقاما لمواقف الخمسينات ومطالع الستينات، وهكذا تتابعت بقية عقود النصف الثاني من القرن العشرين. صحيح أن الدولتين العظميين كانتا على الدوام في ملعبه وقطبي رحاه.. إلا أن أيا من تلك العقود لم يكن من السهولة وصفه بأنه «أميركي» خالص، أو «سوفييتي» خالص، فقد كانت القوى الإقليمية قادرة على الدوام بأن تلعب أدوارها، وأن تحقق أهدافها في مساحة التنافر أو التنافس بينهما؟!

إن انحسار الثقة بـ«الاتحاد السوفييتي» والخوف من المزاج الأميركي الحاد الذي استسهل غزو «بنما» واقتياد رئيسها إلى «مخفر الشرطة»، وأعلن -مترددا- عن رغبته في فرض حصار بحري وجوي على «كولومبيا» لن يجعل من عقد التسعينات، عقد الوداع والانتظار، عقدا أميركيا أو سوفييتيا، كما أن أيا منهما رغم كل ما يتردد ويقال لن يسمح للآخر بأن يجعل من لحمه قطعة شواء فاخرة يتناولها هنيئا ليتولى منفردا تشكيل هذا العقد على هواه ووفق مصالحه!!

ومن المؤكد أن «العالم الثالث» المستقر في تخلفه منذ أمد طويل ونتيجة لظروفه الاقتصادية الطاحنة و«لقمة العيش» التي تلح على أبنائه بالانصراف عن الاهتمام بما عداها، ولظروف إعساره السياسي وغيبة وعيه الممتدة والمستمرة، يظل هو «الأبطأ» في الفهم والإدراك والاستجابة لعقد التسعينات، عقد الوداع والانتظار ومستجداته ومتغيراته العاصفة، لكن مناطق تفاعلاته في غرب وجنوب آسيا، وشرق وجنوب إفريقيا ووسط أميركا اللاتينية، هي المرشحة لأعلى درجات الاستجابة لإيقاع هذا العقد البرزخي الجديد.

إن العالم الثالث في عمومه مهزوم بـ«تخلفه» وقلته وغيبة وعيه، و«معزول» بهم جميعا،. ولكن قد تقوده مناطق تفاعلاته إذا استمر وتعالى جيشانها، ليكون له نصيب في خارطة هذا العقد، صورته والمستقبل الذي سيفضي إليه في القرن القادم.

إن محاولة القراءة الأولية لهذه الرسالة «الهيروغلوفية» أو هذه «اللوحة السيريالية» التي تقدم عقد التسعينات وعصر التسعينات القلق والمتوتر، لا تقول بأن للثقافة وللمثقفين ذلك الدور الذي يرجونه، إذ لا يلوح بأنه سيكون لهؤلاء دور بارز غير محاولة القراءة والفهم والاستنباط، وملاحقة نقلاته الحادة والعاصفة في انتظار القرن القادم، القرن الواحد والعشرين.

إن عقد التسعينات وبعد مشاهد افتتاحه تلك على الجانبين: الأميركي والسوفييتي، هو عقد سياسي بكله. وأرجو ألا أكون مخطئا إذا قلت بأنه عقد «إعادة البناء» ليس بالنسبة للاتحاد السوفييتي فقط، بل للولايات المتحدة وبالقدر نفسه، عقد إعادة ترتيب علاقات جديدة وتوازنات جديدة وأحلاف جديدة واختيارات واختبارات جديدة. فهو عقد الاتفاق «المتوجس» «الحذر» بين عملاقي الكتلتين. ولذلك فهو عقد الاضطراب وزوال الثوابت والإستاتكيات الباردة وإحلالها بـ«ديناميكية» تفتح الأبواب لكل من يريد أن يعمل، وهذا هو أجمل ما فيه، والعالم يودع قرنا وينتظر آخر.


 


عبدالله مناع