على امتداد التاريخ الإنساني لم تنكشف أسرار الناس وتفاصيل حياتهم الخاصة مثل هذا الانكشاف الذي نعيشه الآن، فالمراقب لمواقع التواصل الاجتماعي يدخل المنازل دون استئذان، ويتتبع تحركات الناس ويشاركهم في سفرهم وإقامتهم بالصوت والصورة.

أصبح من المعتاد أن يرسل الشخص مقاطع فيديو قصيرة عن كل شيء يعتقد أنه مناسب للنشر، فالناس يصورون بيوتهم وموائدهم وأطفالهم.

يلتقطون كل اللحظات الجميلة التي يعيشونها ليتشاركوها مع الآخرين، فيتوهم المتابع أنهم في نعيم مقيم، لا يمرون بأي مشاكل، ولم يحدث لهم أي انكسارات.

هذا الانكشاف حدث جليل القدر وعظيم التأثير على كل مناحي حياتنا. من ناحية الأمن السيبراني يمكن للقراصنة أن يحصلوا على معلومات ثمينة جدا تساعدهم في انتهاك الخصوصية، واختراق الأجهزة، والابتزاز عن طريق المتابعة المستمرة لما يتم نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

سيتعرفون على أصدقائنا الذين نتواصل معهم، وعلى المطاعم والمقاهي التي نفضلها، وعلى أماكن تواجدنا. نحن الذين نقدم لهم هذه المعلومات الخاصة بمحض إرادتنا، نفعل ذلك مدفوعين بالرغبة في مشاركة يومياتنا على أوسع نطاق، رغبة في الشهرة التي أصبحت ذات جدوى اقتصادية كبيرة، أو رغبة في مجاراة الآخرين ومحاولة إقناعهم بأننا لسنا أقل منهم.

الزبدة أن المعلومات الشخصية هي أول ما يتم التضحية به على بوابات مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ذات قيمة عالية لكل شخص لديه نوايا شريرة.

من ناحية حياتنا الاجتماعية، فكل شخص تعيس يراقب ماذا يفعل الآخرون (من أشياء مبهجة) ويجاريهم، وما يكاد يلبي حاجة من حاجات نفسه إلا ويُثير مقطع جديد حاجات أخرى لم تكن تخطر له ببال، فتنتكس حالته النفسية ويتسلل الشعور بالدونية إلى تفكيره، فينهض كالأرنب المذعور وينطلق من جديد في هذا السباق العبثي على عالم الكماليات اللانهائي.

هذا الانفتاح على أسرار الناس جعلهم في شقاء دائم، فهم يراقبون بعضهم ويتسابقون على تصوير موائدهم ونزهاتهم دون أن يستمتعوا بشيء منها. حتى المصور ينشغل بالتصوير ولا يستمتع بما يدور حوله، لا المخرج سعيد ولا المشاهد سعيد.

الخلاص من هذا الفخ ليس بالأمر اليسير، فهو يحتاج جلسات متواصلة من التثقيف اليومي يتناقش فيها أفراد الأسرة حول ضرورة أن يعيشوا حياتهم بطريقة طبيعية بعيدا عن مراقبة الناس وتقليدهم، والاتفاق على أنه ليس بإمكان أحد أن يقوم بكل الأنشطة التي يمارسها كل الناس، فالسعي لهذا الهدف المجنون مفتاح الشقاء والفقر.

أما الجانب الأكثر أهمية على الإطلاق فهو التأكيد على أن الناس ينشرون أفضل اللحظات التي يمرون بها، ويخفون لحظات ضعفهم وانكساراتهم، فلا تعتقد أنهم يعيشون بلا معاناة.