نجد نحن البشر -دائما- رغبة داخلنا في أن نكون صالحين، بغض النظر عما ينتج من تصارع هذه الرغبة مع غيرها من رغباتنا، فقد تنتصر الرغبة ببعض الانتصارات المادية أو أي مصالح أخرى على الرغبة في الصلاح، فنرتكب كثيرا من خوارمه، ولكننا دائما نتمنى ونفضل أن تتحقق هذه المصالح دون أن نتخلى عن صلاحنا، ولكن القدرة على تحقيق المصالح والرغبات بسهولة دون التناقض مع أخلاقيتنا، امتيازٌ لا يتحقق إلا لنخبة محظوظة جدا من البشر، أي أنه ليس وضعا سائدا للبشرية، وهذا من أسباب معاداة الرغبات والمصالح الدنيوية في كثير من الثقافات عبر التاريخ، إذ إن هناك وعيا تشكل بكونها من أكبر دواعي الانتهاكات الأخلاقية، وهذا حقيقي على الرغم من عدم صحة التطرف بمعاداة الرغبات الدنيوية، فهذا قد يحقق مكاسب أخلاقية مؤقتة، ولكنه مع الوقت يحول المنظومة الأخلاقية للمجتمع إلى منظومة مستحيلة أو عسيرة التطبيق.
إن الوضع السائد في المجتمعات، أن يكون إيمان الفرد بكونه صالحا أو لا، هو فرع من إيمانه بمنظومة أخلاقية معينة. وفي العادة، تكون هذه المنظومة من صناعة نخب مجتمعه، فإذا قدمت النخب منظومتها الأخلاقية وهي تعادي الرغبات الدنيوية، فهذا سيفاقم الصراع بين الرغبة في أن تكون أخلاقيا وبين رغباتك الدنيوية، وكلما زاد التطرف في عداوة الرغبات كلما زادت احتمالية فوز الرغبات الدنيوية على الأخلاق، لأنه يجعل التمسك بالأخلاق أعلى كلفة، وكلما زادت الكلفة كلما قل القادرون على سدادها، وبالتالي سينتهي الأمر بهزيمة الأخلاق. وهذه الهزيمة لا تعني بالضرورة التوقف عن تبني المنظومة الأخلاقية، بل قد تبقى كقناعة راسخة في ذهن الفرد، وقد يبقى يحاكم نفسه لها، ويحدد مدى صلاحه خلالها، ولكنه على المستوى العملي لن يمتثلها، ويبقى الفرد هنا في مأزق مع رغبته في أن يكون أخلاقيا، فما الحل؟.
نخبة قليلة ستراجع هذه المنظومة، وقد ينتج عن هذه المراجعة تبديل هذه المنظومة بأخرى قابلة للتطبيق، أو الإبقاء على هذه المنظومة مع إزالة موانع تطبيقها، لكن هذه تعد ممارسة نخبوية، ولا يتوقع أن تصدر من الغالبية.
الغالبية العظمى من الأفراد ستهرع إلى أحد حلّين: إما قتل الرغبة في أن يكونوا أخلاقيين صالحين، فيتصالحون مع كونهم فسدة ينتهكون الأخلاق.
والبعض الآخر سيتدرج بالتفلت الأخلاقي حتى تصبح قناعته العقلية بصحة تلك المنظومة الأخلاقية غير مسهمة في إصلاح سلوكه أبدا.
أما رغبته في أن يكون أخلاقيا فلا يقتلها، بل يبقيها ويبقي الولاء للمنظومة الأخلاقية ذاتها المستحيلة التطبيق، وما يمكنه من ذلك هو «المسكنات الأخلاقية»، وهي الأفكار التي تقول إنه من الممكن أن تبقي على ولائك للصلاح على الرغم من فسادك.
ومن أفضل الأمثلة للمسكنات، البيت الشهير للشافعي -رضي الله عنه- الذي يقول فيه «أحب الصالحين ولست منهم»، وخلال ما نعرفه عن الشافعي اليوم، يستبعد أن يكون الباعث على كتابة هذا البيت هو عدم صلاحه على وجه الحقيقة، بل على الغالب عدم رضاه عن مستوى الصلاح الذي هو عليه، أو بمعنى آخر رغبته التي قد تكون قاسية على ذاته في تطوير صلاحه.
ولكنني للتمثيل للمُسكن الأخلاقي أريد أن آخذ هذا البيت بعيدا عن السياق الذي كُتب فيه، وأتحدث عنه في السياق المستخدم اليوم، فكرة حب الصلاح والصالحين بصفتها بديلا معوضا للنفس عن ممارسة الصلاح، وبالطبع فليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يستخدم فيها نص ما على نقيض ما كُتب له، فالقارئ يلعب دورا في صياغة معنى النص، قد يتفوق في كثير من الأحيان على دور الكاتب الأصلي للنص.
- ماذا يعني أن تحب الصالحين في السياق الحديث؟
- يعني التسليم لنخبة، ومنحهم ولاءك الأيديولوجي، أي أنك تؤمن بصحة ما يقدمون من تنظير حتى لو تفلتت عن ممارسته، تسكّن هذه الفكرة الصراع مع رغبتك في الصلاح، بل لربما تكون الطريقة الوحيدة التي يمكنك أن تصرّح بها عن كونك غير صالح بمنتهى الثقة ودون أي خجل.
ومن المسكنات الأخلاقية الأخرى الرائجة، هي مسكن الاكتفاء بفرض توجيهات منظومتك الأخلاقية على النساء من حولك، وهذا مما يمكن أن نفسر فيه أحد أبرز الحالات شيوعا في مجتمعنا، وهي حالة الرجل غير المنضبط دينيا ولا أخلاقيا، ولكنه يحرص على تطبيق النساء حوله لكامل منظومته الأخلاقية إلى أقصى مراحلها، ودون أي تخوف من الخسائر.
فمثلا، لا تجده يصلي، ولكنه قد يشتطّ غضبا لو وضعت ابنته أو زوجته عطرا أو خلعت حجابها، أو قد لا تجده مستعدا لتكبد أي خسائر بسيطة لتحقيق أخلاقه، ولكنه مستعد -وبكل فخر- لتكبيد أقسى الخسائر المادية والاجتماعية وغيرها للنساء، في سبيل تطبيق هذه الأخلاق، فهو قد نقل مسؤولية صناعة شرفه أو أخلاقه أمام ضميره وأمام المجتمع، إلى أفعال النساء حوله، بدلا من تعليقها بأفعاله.
لقد عرضت هذين النموذجين للمسكنات الأخلاقية على سبيل المثال لا الحصر، ولو تأملنا في المجتمعات ذات المنظومات الأخلاقية التي يكون صراعها شرسا مع الرغبات الدنيوية، سنجد كثيرا من الأمثلة الأخرى للمسكنات الأخلاقية، وهي في عمومها سيئة ولها أعراض جانبية تفسد المجتمع، فمثلا فرض التوجيهات الأخلاقية على النساء سيخلق أوضاعا غير عادلة لهن، ويتسبب في كبت لا يمكنك أن تأمن عواقبه، ولن تضمن النتائج المترتبة عليه، ويستبعد أن تكون نتائج حسنة طالما أن هناك خيارات تم اتخاذها بواسطة شخص مختلف عن الشخص الذي سيعايشها، أي بعيدا عن توجهاته وآماله ورغباته.
وكذلك التسكين بواسطة إثبات الولاء الأيديولوجي للنخبة الصانعة للمنظومة الأخلاقية، له أضراره التي سيكون مصدرها الثقة والاتباع الأعمى لهذه النخبة، الأمر الذي يثير خطورة استغلالها له بطريقة سيئة.
الحل أن تترك هذه المسكنات، وتكون أخلاقيا صادقا، وتواجه مشكلة التطرف في منظومتك الأخلاقية، فهذا حلّه أن تسائل هذه المنظومة حتى يكون كل ما تتبناه من أخلاق مقنعا وقابلا للتطبيق.