بعد كل ليل تزهر السماء ليتسلل الفجر، وتبدأ بتلاته بالتفتح واحدة تِلْوَ الأخرى.. ومن خلال قطرات الندى يُطِل الطير برأسه من بين جناحيه، ويسبح الخالق العظيم بأنغام تركب أمواج نسيم الصباح حتى تصل إلى نافذة الروح فتتحرك أوتارها.. ومن بين تشققات النوافذ تستمع إلى تراتيل أوراق الشجر وهي تتمايل، بعضها يبقى ملتصقا بأمه، وبعضها يحلّق صعودا، ثم يتمايل كالأرجوحة وينزل ببطء إلى الأرض التي تحتضنه بشوق كمن كان متعطشا إلى لقاء.. وهنا يدخل المشهد نغم جديد، المطر... حبة فحبّة، وكأنه يبحث عن لحن معين، ويفضل بالتجريب بين هذا وذاك، ومن خلال الفوضى يخرج نغم، وما هي إلا لحظات حتى يهطل بغزارة كقيثارة بين يدي عازف فنان.. ومن بعيد يتصاعد صوت خطوات بائع الحليب وهو يتسلق درجات المبنى.. وتوقفه عند كل طابق ليوزع حليبه على عملائه، والأبواب تفتح وتغلق.. تنتظر إلى أن يأتي دورك لتقفز من السرير وتسرع إلى المطبخ لتحمل وعاء ثم تفتح له الباب... عِمْ صباحا سيدي.. تبتسم وتمد الوعاء، تنتظر ثم تبتسم شاكرا وتغلق الباب وأنت تصغي إلى صاحب النغم يكمل لحنه صعودا، وتعود إلى المطبخ حيث تستنشق عبَق القهوة، وتصغي إلى صوت غليان الماء فوق الموقد معلنا اقتراب موعد «تلقيمة» إبريق الشاهي، تَحَار هل تخضع لندائه أم تنظر من النافذة، فتكمل إليها وتفتحها، وأنت تستمتع وتنتعش برذاذ الماء على وجنتيك يشدك منظر تلميذة تسرع في خطواتها تحت حبات المطر لتصل إلى مدرستها... وطالب يتهاون رغم تبلّله تحت نافذة على زاوية الشارع وكأنه ينتظرها أن تفتح ليستمد طاقته ويسرع إلى جامعته... وعلى الجانب الآخر عامل بمريوله الأزرق يسير بخطوات تضرب الأرض ضربا وكأنه يعلن رفضه لأمر ما يجول في خاطره، وخلفه تسير امرأة تحمل «زنبيلا» بلاستيكيا تسير شاردة الذهن، تمد يدها لتربط غطاء رأسها وكأنها بذلك تمنع المطر من الوصول إلى خصلات شعرها، ترفع رأسها إلى السماء ثم تخفضه كأنها تصلي بالدعاء لعل وعسى أن يتحقّق ما تتمناه.. وما هي إلا دقائق حتى يمتلئ الشارع بالمارة، كلّ بآمال، كل بهموم، كل يحمل لحنه ويسير إلى عالمه المجهول.. سيمفونية من الحياة تمر أمامك كل صباح.. بلحن جديد مع بزوغ كل فجر!
قلَّة مَن يستطيعون قراءة النوتات الموسيقية، كما هم قلة مَن يستطيعون قراءة سيمفونية الحياة التي تمر أمامهم كل يوم.... ولكن البشر موسيقى تتجلى في طريقة المشي، في طريقة الحركات، في ضربات القلب حين تتناغم وكأنها على إيقاع واحد أو حين تعيش فوضى من المشاعر، وأحيانا في تصارع العقل مع النفس.. ولهذا أليس من الطبيعي أن تكون الموسيقى إحدى لغاتنا، أليس من الطبيعي أن يتحدث الناس موسيقى؟
إن الموسيقى ليست سوى آلية يستطيع البشر من خلالها التواصل مع المشاعر، هل سبق أن طلبت من أحدهم أن يصغي إلى مقطوعة موسيقية كلاسيكية؟ ما كنت تريده فعلا منه هو أن يشعر بنفس الشيء الذي شعرت به أنت، تريد أن تشاركه في تجربة مشاعر، أن يخوض معك رحلة نغم.. لحن قد يكون من ثقافة غير ثقافتك، لكنه يحمل معنى أنتجه غريب في أرض بعيدة، هنا تجد أنك لا تحتاج أن تتحدث بلغته لتفهم رسالته، فعند سماع مقطوعته تعيش الأمل، أو الحزن، أو الفرح، أو الشوق، أو الغضب، أو الندم.. أو الحب، نغمات تدخل أرواحنا فتلامسها وتهزها... تذكّرنا ما يعنيه أن نكون بشرا... وأن هناك آخرين مثلنا... بغض النظر عن اختلافاتنا، ثقافة، تعليم، آراء، فكر، تنشئة دينية، ثروة، عمر، جنس أو صحة، ولهذا هي إحدى مسرات الحياة الحقيقية، الكل يستطيع أن يستمتع بها بعكس الكتب، حيث يجب أن تكون قادرا على القراءة، والدراما التي تحتاج أن تفهم الأحداث ممّا يقال أو يجري، لكن الموسيقى بلا حدود ولا شروط مسبقة، وهي في متناول كل من يفتح قلبه لها.
إن كانت الكلمات لغة العقل فالموسيقى هي لغة المشاعر والعواطف، وكأي لغة تستطيع أن ترتقي بها وتستطيع أن تنحدر! لكن مَن لديه حسّ فطري بالجمال يستطيع أن يفرّق بين الراقي والمبتذل، تماما كما أن أصحاب الأرواح الشفافة يستطيعون أن يفرقوا بين الحقيقي والمزيّف من البشر، ويستطيعون سماع لحن جميل في قلب الطبيعة ولحن بشع في قلب معركة.. فكما أن هناك لحنا للمحبة والسلام، ولحنا للتعاطف والعطاء، ولحنا للحب والغرام، ولحنا للأمل، ولحنا للتواصل والإخاء، فهناك لحن للغضب، ولحن للكراهية، ولحن للحسد والحقد، ولحن للتعاسة والشقاء، ولحن للحرب والموت والضياع.. الحياة سيمفونية توقّفْ واصْغِ كي تفهمها.