كَبِرنا وطال الزمان، وضاع الطريق، وتاه كل ما كان يجمعنا، نعم الحجر يبقى حجرا، ولكن البشر تنسى، ولأننا بشر في الطرقات تفرّقنا، حجارة بيوتنا القديمة تحمل الحكايات والأسرار، وقلوبنا لم تعد تميّز العتمة من الجِنان!
كان يا ما كان يا ذهب رنّان... يدًا بيد تربّينا، وعلى الحلوة والمرّة ضحكنا وتباكينا، حتى أتى اليوم وأُصبُع من يد غريبة ارتفع وفرّقنا، أصبحنا بمئة ومليون رأي.. لوحة «الموزاييك» تكسرت إلى أن أصبحت ترابا على تراب، كل ذرة إن صادف أن التصقت بأخرى نفرت مع مهب الريح هاربة من أختها... إلى أين؟ لا يهمّ، المهم ألَّا نلتقي.. المهم ألَّا نتّحد!
كان يا ما كان يا ذهب رنان.. كنا إخوة وأهلا وجيرانا، يا رزّاق يا كريم، يا فتّاح يا عليم، امضِ إلى جاري، يا أختي، فهو لم يستفتِح بعد.. أما اليوم فنتضارب في الأرزاق، بل نطلق الإشاعات، ونشنّ الحروب، لماذا؟! من أجل حفنة من الدولارات! ابتعدي عن أخي فهو غشاش، واحذري جاري فهو دساس، وإليك عن أهلي فهم عقارب، ليس أمامك يا أختي، إلّا أنا المخلص الصالح الأمين و.. الحساس!
كان يا ما كان يا ذهب رنان.. كانت وجوهنا صافية تحمل قصصنا، من يمر يعرفنا.. يقرأ ويتصفح ليشارك الفرحة أو ليواسي، لم نكن نقرأ أو نبحث عما يخبِّئ من خبث أو تمثيل.. واليوم نرتدي ألف قناع وقناع، البعض للتضليل، والبعض للاختباء من نظرات الفضول، والبعض لتفادي رشقات الاتهام!
كان يا ما كان يا ذهب رنان.. كان عندنا قلوب بيضاء وأناس دراويش، على الفطرة يولدون، وعلى الطهارة يعيشون.. واليوم حين تمدّ يدك لتسلّم تعدّ أصابعك بعد كل مصافحة، تتحدث وتخفض صوتك من المترصدين، تكتب وتمحو كلامك من المحوّرين والمزوّرين.. لا ثقة ولا أمان! إن كان الشر قد لبس لباس الخير وسار به في الناس فكيف لنا أن نعرف «الزيركون» من الألماس؟!
كان يا ما كان يا ذهب رنان... كانت الأبواب مفتوحة، والقلوب مسرورة حتى وإن كانت تعاني أو كانت مجروحة، يا أسفي ويا عتبي على البشر.. لقد أغلقنا الأبواب، وبتنا نحسب حساب كل زيارة.. وعلى كثرة الأفراح قلّ «المعازيم»! حبيبتي لا تنسي أن تخبري كل من تحبين وكل من يعزّون عليكِ، الفرح «تَسمُّع»، والبيت بدلا من أن يتّسع لمئة يتسع لألف من المحبّين.. ولكن من أجل التكاليف والمظاهر الكاذبة تخلّينا عن الأحباب! خائفين من الحسد، خائفين من التقليد، خائفين من المحاسبة على النعم! وإن فُتِحت الأبواب فتحت للتباهي والتعالي والبذخ «والفشخرة»! وإن اقترب منهم صاحب حاجة اشتكوا من القلة، وإن زاد في الإلحاح شعرت كأنهم سوف يقطعون أيديهم ليشحتوا عليها! والأدهى والأمّر أن يفاصلوا المسكين على حزمة فِجل! ترتدي «برادا» وتشتكي من أسعار التّصليح عند «الكندرجي»!
كان يا ما كان يا ذهب رنان... كانت البنت سرّ أمها، والابن سرّ أبيه، كنا نكتب مذكراتنا ونقفل عليها بالقفل والمفتاح، ونحفظها في أبعد مكان يمكن أن يفكر به أي شخص آخر، واليوم أسرارنا عند الكل، والوالدان آخر مَن يعلم! الأسرار فقط؟! بل أخبارنا منشورة على الفضاء الافتراضي يوما بيوم ولحظة بلحظة، وعلى قول إخوتنا المصريين «اللي ما يشتري يتفرج»! كنا نغضب إن اقترب أحد من حصن مذكراتنا، واليوم نكتئب إن لم يلاحظ أحد ويقدّر ما ننشره من أخبارنا!
كان يا ما كان يا ذهب رنان... نسافر ونشاهد الدنيا ونعود لنُدخل ما رأيناه من تقدم كلّما سنحت لنا الفرص.. اليوم نسافر لنعود ونشتكي، لا نريد أن نسهم بقشّة! يتباهون في تبرعاتهم في الخارج وفي بلدهم كشك كتب لم يدعموا صاحبه! قد تبعد مدرسة الحي عن بيتهم عشر خطوات، ولكنهم لم يكلفوا أنفسهم بزيارتها للتعرف على ما يمكن أن يقدموه من مساعدات! وأجدادنا لم يسافروا ولكنهم كانوا يهتمون بكل منشأة داخل أحيائهم، يقدمون الدعم ويتفاخرون على الأحياء المجاورة بنوعية الخدمات التي تقدم عندهم.
كان يا ما كان يا ذهب رنان.. ويا زمن يا دوّار لم يعد كان ولا ما كان، والذهب أصبح صفيحا، والحجر بات الرّنان!