عندما بدأتُ أنا وزملائي عام 2013 دراسة بحثية مدتها 3 سنوات، حول كيفية استخدام الأدلة داخل برلمان المملكة المتحدة، لم تكن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد طُرِحت بعد، ولم يكن دونالد ترمب في عداد السياسيين وقتها، ولم تكن «الأخبار الزائفة» تُعد من الأخبار ساعتئذ.

وبحلول وقت انتهاء الدراسة، شعرنا وكأننا كنا نعيش في عالم مختلف، تئنّ فيه الديمقراطية تحت وطأة التضليل. لكن تلك الاضطرابات كانت مفيدة لدراستنا على الأقل. كان السياسيون ومستشارو السياسات يفكرون على نحو متزايد في الدور الذي يمكن للأدلة أن تلعبه، وقد استفدنا نحن من ذلك.

 أقرَّ بعض السياسيين بأنهم يستخدمون الأدلة لتعزيز مكانتهم وكسب نقاط سياسية، لكن -بشكل عام- كان يوجد توجه صحي داخل برلمان المملكة المتحدة للاستعانة بالأدلة في توجيه عملية اتخاذ القرارات.

غير أن هذا توجه -غالبا- ما لا يحظى بالاهتمام الكافي.

إذ توصَّل تقريرنا، الصادر في 30 نوفمبر الماضي إلى نتيجة مفادها أن الأبحاث الأكاديمية لا تحقق أهدافها. فغالب الأدلة المقدمة إلى السلطة التشريعية تأتي من الهيئات الحكومية ومنظّمات المجتمع المدني غير الهادفة للربح.

لذا، ينبغي للأوساط الأكاديمية أن تعزز جهودها، وينبغي لمموّلي الأبحاث التأكد من حدوث ذلك.

«لا يكفي تمنّي أن يأخذ كل شيء موضعه الصحيح من تلقاء نفسه».

وهنا نتساءل: لماذا يعدُّ هذا مهما؟ إن القرارات الديمقراطية تحتاج إلى أسس واقعية. كيف نحدُّ من الإصابة بالبدانة؟ وهل نحن بحاجة إلى بناء مزيد من محطات الطاقة النووية؟ وهل ينبغي أن نعطي الأولوية لرغد العيش أم لخفض الضرائب؟ إن إجابات هذه الأسئلة تتطلب إصدار أحكام تقديرية، بيد أن هذه الأحكام ينبغي أن تكون مدعومة بالأدلة.

ولا عجب في أن الأشخاص المنخرطين في العمل السياسي قد يشعرون بأن المشاركة الأكاديمية خرقاء وساذجة.

فخلال فترتي عملي في البرلمان -إذ عملت أيضا مستشارا في «لجنة العلوم والتكنولوجيا» بمجلس العموم خلال الفترة من 2007 - 2010»- كثيرا ما أحبطني تدنّي جودة المشاركة الأكاديمية، فقد كانت الدراسات الأكاديمية تراوح بين «موجزات» مكتظة بالمصطلحات المتخصصة، ولا تحوي إلا قليلا من المعلومات المناسبة، ومواعظ أخلاقية متعالية.

وكي تتمكن الأبحاث حقا من توجيه السياسات، لا يكفي تمنّي أن يأخذ كل شيء موضعه الصحيح من تلقاء نفسه، بل ينبغي أن نعمل نحن على وضع كل شيء في نصابه الصحيح.

ولضمان وجود هذه القدرة، ينبغي لممولي الأبحاث دعم الأبحاث المتعلقة بالسياسات فقط، عندما يولي العلماء اهتماما جادا لتأثير السياسات.

سيتسبب هذا المقترح في إثارة كثير من الأسئلة:

أولا: كيف يمكن التمييز بين الأبحاث المتعلقة بالسياسات وغيرها من الأبحاث؟ ثانيا: كيف يمكن تقييم ما إذا كانت خطة التأثير في السياسات جيدة أم سيئة؟

وأنا على يقين من أن هذه المشكلات يمكن حلّها من مجتمع يستطيع تحديد الفروق الدقيقة في جودة الأبحاث.

قد تتمثل الإجابة عن السؤال الأول في مزيج من التحديد الذاتي من جانب الباحثين، ربما للتأهل للأنشطة ذات التمويل الإضافي، ومراجعات الأقران.

أما الإجابة عن السؤال الثاني، فقد تكون قائمة جزئيا على المعايير.

فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تُكتب المقترحات الجيدة بالتعاون مع واضعي السياسات، الذين سيساعدون على وضع أسئلة البحث، وربما حتى خطط البحث.

وينبغي أن تحدد المقترحات القابلة للتمويل متى وكيف سيشارك واضعو السياسات في العمل، إما بتوفير المشاركة المستمرة لحل مشكلة السياسات، وإما البقاء بعيدا لتجنّب انحياز عملية البحث.

كريس تايلر

* مدير السياسات العامة في «قسم العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والسياسات العامة» بجامعة «يونيفرسيتي كوليدج لندن»

* مجلة نايتشر