القرآن الكريم تبيان لكل شيء، ويهدي للتي هي أقوم، ففيه الهدى والشفاء، أمر الله بتدبره والعمل به، لما في ذلك من السعادة وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، ففي كل سورة، بل وفي كل آية وكلمة فوائد عظيمة، ومن تلك الفوائد في سورة يوسف ما يلي:
-1 أنه ينبغي على العبد أن يكتم ما يخشى من ضرر نشره، وذلك من أجل البُعد عن الشر وأسبابه، لقول يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام: (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا).
-2 الحذر من شؤم الذنوب، لأن كل ذنب يجر إلى ذنب آخر، فإخوة يوسف عليه السلام لما كذبوا على أبيهم وأخطؤوا على أخيهم، أرادوا تمرير ذلك بكذبات أُخَر، فقولهم (ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) كذب، وبكاؤهم عند أبيهم بكاء كذب، وقولهم (أكله الذئب) كذب، وكل ما قيل كذب، لأنه مبني على كذب، والذنوب تجر بعضها بعضا، وهذا من شؤمها وسوء عاقبتها.
-3 أن العبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات، فإخوة يوسف عليه السلام وإن جرى منهم ما جرى، إلا أنهم تابوا وأنابوا، وطلبوا من أخيهم وأبيهم المسامحة، فسمحوا لهم، ودعوا لهم بالمغفرة، والتوبة تجب ما قبلها، والعبرة بالخواتيم.
-4 أن بعض الشر أهون من بعض، ولذلك كان رأي من قال (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب) وإن كان شرا، إلا أنه أهون من رأي من أشار بقتل يوسف عليه السلام قائلا (اقتلوا يوسف)، وبسبب عدم القتل خف ذنبهم، وكان فيه مجال لطلب العفو منه، ولو قتلوه لما أمكن طلب السماح منه، ولكان ذنبهم عظيما شنيعا.
-4 الهرب من فتنة النساء، فامرأة العزيز لما راودت يوسف عليه السلام، فرّ هاربا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، ولهذا حتى في الصلاة جعلهن النبي عليه الصلاة والسلام بعيدات عن الرجال.
-5 جمال يوسف الظاهر والباطن، أما الظاهر فيدل عليه قول النساء لما رأينه (ما هذا بشرا) وقطعن أيديهن، وأما جماله الباطن فيدل عليه قول امرأة العزيز (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم).
-6 أنه ينبغي للمفتي أن يدل السائل على ماهو أنفع له من سؤاله، ويقدم ذلك قبل الجواب عن سؤاله، فيوسف عليه السلام لما سُئل عن الرؤيا، قدم الجواب عن الأهم فقال للسائلَين (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) فالتوحيد أولاً، والضرورة إليه أشد.
-7 أن الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه، مع الاعتماد على الله، يُعد من الأخذ بالأسباب المشروعة لقول يوسف عليه السلام (اذكرني عند ربك) أي: سيدك ليخرجني من السجن.
-8 لا بأس بسوء الظن في مَن كان له سوابق خاطئة، لقول يعقوب عليه السلام (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل).
-9 في المعاريض مندوحة عن الكذب، فيوسف عليه السلام قال (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) ولم يقل: (إلا من سرق متاعنا) لأنه لم يسرق، فكانت حيلة لتحقيق مصلحة، وليس فيها إسقاط واجب، أو فعل محرم.
-10 أن من أنعم الله عليه بنعمة بعد حاجة وفقر، عليه أن يعترف بنعمة الله، ويذكر حالته الأولى لأولاده ومجتمعه ليشكروا الله، لقول يوسف عليه السلام (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)، وفيه أن الخروج من السجن نعمة، وأن ترك البداوة نعمة كذلك، يستحقان شكر المُنعِم سبحانه وتعالى.
-11 لطف يوسف عليه السلام وكمال أدبه، وعدم إحراجه لإخوته بعد أن عفى عنهم، ولذلك قال (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) ولم يقل: (إذ أخرجني من الجب) لئلا يحرجهم، ولم يقل (من بعد أن نزغ الشيطان بأخوتي) بل قال (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، وكأن الخطأ مشترك بينه وبينهم.
وقد ذكر الإمام محمد بن عبدالوهاب نحوا من ثلاثمائة وخمسين فائدة من هذه السورة العظيمة، وكذلك ذكر الشيخ السعدي عدة فوائد مهمة من هذه السورة، فمن شاء فليرجع إليهما.