من البدهي أن يكون للإنسان موقف تجاه ما يُقال ويُفعَل، لكن السؤال المهم: هل يضبط الإنسان أقواله وأفعاله تجاه ما يرى ويسمع، لتكون متزنة، فلا يرد الخطأ بخطأ آخر، ولا تستفزه الرياح العاتية، فتقتلعه من مكانه، وتفقده توازنه، فيكون حينئذٍ

على النقيض.

هناك أناس كانوا من الغلاة، فلما رأوا سوء عاقبة الغلو، ومخالفته للفطرة السليمة، وأذيته للنفس وللبلاد والعباد، صار لديهم ردود أفعال غير متزنة، فانتقلوا من الغلو إلى الانحلال، ولو كانوا من أهل الاتزان، لكانوا من أهل الاستقامة والوسطية، فلا غلو ولا جفاء.

وهناك أناس يكفرون مرتكب الكبيرة (وهم الخوارج)، فقابلهم (أهل الإرجاء) فقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وصاروا يهونون الذنوب، ويرققون الدين، ولو كانوا من أهل الاتزان لتركوا هذين المسلكين، ولزموا المنهج النبوي، ولكن ردود الأفعال غير المتزنة تُحدِث مثل هذا الشطط.

وهناك من يُكفِّر من كفَّره، من باب ردود الأفعال، ولو كان من أهل العقل والاتزان والعلم، لما ردّ الخطأ بمثله، ويعجبني في ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية لخصومه الذين ظلموه وكفَّروه: (وأنا في سعة صَدْرٍ لمن يخالفني، فإنه وإن تعدَّى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتماً بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكماً فيما اختلفوا فيه).

 وحتى في أمور الدنيا، هناك ردود أفعال معاكسة، تفتقر للاتزان والموضوعية، من ذلك على سبيل المثال أن هناك من يُؤيد الفهم والتحليل والنقد في التعليم - وأنا ممن يؤيد ذلك - ولكني رأيت بعض الناس، لم يكتف بذلك، وإنما صار ينتقد الحفظ وما يتعلق به، وكأنه لا يمكن الجمع بين الأمرين، وهذا من ردود الأفعال غير المتزنة، وإلا فالحفظ مهم جداً، وكون الإنسان لا يستطيعه لا يعني أن يهجوه، وفي صحيح البخاري (فأعلمنا أحفظنا)، وكان جهابذة العلماء يسمون بالحفاظ، ولا تلازم بين الحفظ وعدم الفهم، بل يحفظ ويفهم ويحلل ويستنتج.

 وهكذا الإشادة بالشباب وقدراتهم مطلب مهم، ولكن هذا لا يعني تنقص قدرات الكبار، وأذكر أني قرأت مقالات لبعض المتحمسين في هذا الشأن، وكان من رأيه عدم تولية من بلغ الأربعين في الشورى والمجالس البلدية ونحوهما، وفي نظري أن من أسباب هذه الرؤى: عدم الاتزان، وردود الأفعال السريعة، التي تجعل صاحبها لا يستطيع الجمع بين الحسنيين، ولهذا يُنقَل أن رجلا مات ابنه فضحك، وقال: لا أبكي من قضاء الله وقدره، فقيل له: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ منك، وهو القدوة، بكى رحمة بالميت وحزنا عليه، ورضي بقضاء الله وقدره، وقال: ولا نقول إلا ما يرضي الرب، فجمع بين الأمرين: الرضاء بالقضاء، والحزن على الميت ورحمته، وأنت لم تستطع، فصرت تضحك.

 والذي ينبغي هو الجمع بين قوة الشباب وحكمة الشيوخ، فالحكمة غالبا عند المجربين من كبار السن الذين هم أهل العلم والعقل وشيوخ الوقار، ومعادن الاختبار، ورأي الشيخ فيه خيرٌ وبركة، فالشيوخ جربوا الأمور، وعركتهم الحياة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى فيهم البركة، فيقول كما في الحديث الذي صححه الألباني: (البركة في أكابركم)، وهذه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام للكبار، ويعجبني قول الأمير خالد الفيصل وفقه الله:

ليت عقل العَوْد في سن الشباب

وحكمة الستين في عشرينها



 وأنا هنا لا أقلل من مكانة الشاب النابه، ذي القدرات والمواهب، الذي جمع الله له بين قوة الشباب، وحكمة الشيوخ، فصار يستفيد من الكبار أهل العقل والحكمة، فذاك فضل من الله يخص به من يشاء من عباده، وقد ولَّى النبي صلى الله عليه وسلم عتاباً رضي الله عنه على مكة وهو شاب، وولى أسامة بن زيد رضي الله عنه قيادة الجيش إلى الشام، وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكني أؤكد كما تقدم على أهمية دمج قوة الشباب، بحكمة الشيوخ، ولا يكون مدح أحدهما على حساب تنقص الآخر، بل في كلٍ خير، وجمعهما جمع بين حسنتين.