تغييب الأبناء عن المدارس في بريطانيا حدث جلل قد يؤدي لتدخل المحكمة وإخضاع الوالدين للتحقيق ودفع غرامات محترمة، ولا يقبل المسؤول في المدرسة أو مكتب التعليم عذرا مثل الظروف الصحية أو العائلية إلا بأوراق رسمية تثبت جدية السبب، ومع إرفاق أختام الخروج والدخول عبر المنافذ في حال السفر المبرر.

 قبل أن تتخذ هذا القرار الخطير وتغيّب أبناءك عليك أن تتواصل مع المدرسة وتستكمل نموذج طلب إجازة. استكملت الطلب ووضحت كل شيء بالأرقام والتواريخ والساعة وأرفقت خطابًا رسميا، مع كل هذا ردت إدارة المدرسة بالرفض متوجا ابتسامة بريطانية باردة!، بل قال لي المدير حرفيا (هذا الطلبات شكلية! فنحن لا نوافق على الإجازات خلال العام إلا في خمسة في المائة من الحالات ولأسباب صحية غالبا، تعليم ابنك مسؤولية المدرسة وسماحنا بتغييبه يتعارض معها! نحن لن نمنعك من أخذه لكننا لن نوافق، وبالتالي ستدفعين الغرامة المستحقة عند عودته بالسلامة).

 بابتسامة عريضة سلمتني السكرتيرة منشورا رسميًا من إدارة التعليم يوضح الغرامة الأسبوعية لغياب الأطفال حتى عمر الحادية عشرة عن المدرسة، وكذلك الحالات التي قد تقاضيني فيها الإدارة و«تجرجرني في المحاكم» بسبب الغياب غير المبرر. ابتسمت على مضض وأنا أحسب في ذهني الغرامة المنصوص عليها وأتحسب على نظامهم المحكم والذي ينص على كل شيء ولا يدع مجالا للاجتهادات، ويحرم الأهل من سلطتهم المطلقة على أبنائهم! أعني، لقد أنجبنا هؤلاء الصغار ويفترض أنهم ملكنا ونحن أعرف بمصلحتهم من إدارات التعليم مجتمعة! ثم ما المشكلة العظيمة في غياب يوم من هنا وآخر من هناك!.

المشكلة حقيقةً لها عدة أبعاد؛ أولا: البعد الأمني والخوف على الطفل من حصول أي شيء سيئ لا سمح الله له أو لأسرته! فالمدرسة تحصي حالات التغيب وتتدخل في حال كان الطفل أو القائمون على رعايته في حاجة للمساعدة للعجز المادي أو الصحي أو قضايا التعنيف أو الظروف الأسرية المختلفة. لذلك يعتبر عدم إبلاغ المدرسة عن نية الغياب مسبقا من وجوه إهمال الطفل التي تجد فيها نفسك تستلم أمر الاستدعاء للمحاكمة.

 ثانيا: البعد الأكاديمي، فتجاوز الحد المسموح به في الغياب دون عذر أو خطة للتعويض يهدر موارد المدرسة المادية وغير المادية، كما يهدد مستوى تعليم الطفل ويحرمه من البناء المعرفي المتوقع منه، مما يجعله في حال التقييم أقل من أقرانه، وهذا يهبط بمستوى المدرسة ويهدد سمعتها الأكاديمية بين المدارس المنافسة، أي أن قرار الغياب الذي يتخذه ولي الأمر في ثوان قد يكلف المدرسة وقتًا وجهدًا ونقاطًا هامة في التقييم، وذلك لارتباط التقييم والدعم بنسبة الغياب على مستوى الصفوف!

 باختصار إدارة المدرسة البريطانية حريصة جدا على حضور الطالب لأسباب اجتماعية وأمنية وأكاديمية لا تقتصر فقط على ارتفاع تقييمها وتحقيق مصالحها مع شركائها، وعلى الجانب الآخر نجد أن ولي الأمر يتعاون مع المدرسة ويطبق النظام، لأن تغييب ابنه عشوائيا له عواقب خطيرة وجادة، أدبية ومادية واضحة ومحددة ولا تستثني أحدًا.

 مالكم بالطويلة كما نقول، لسبب ما تجاوز غياب أبنائي التاريخ الذي حددته للمدرسة في طلبات الغياب، ليبدأ سيل التواصل معي ولا ينتهي. لم تتوقف الاتصالات والرسائل عبر الجوال وتطبيق المدرسة، وامتلأ البريد الإلكتروني، واستلمت رسالتين بالبريد العادي والمسجل! وليس لدى مسؤولي الغياب إلا سؤال واحد (أين الطالب)!

 أؤمن تماما أن الانضباط المدرسي هو بداية الانضباط الاجتماعي، وأن الوعي بالعواقب القريبة والبعيدة يحسِّن الأفعال مباشرةً ودون تردد، سواءً على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

ختاما أهدي هذا المقال لمن تتآكلهم الحيرة حول الوسائل الفعالة لحل مشكلة الغياب في مدارسنا ويعقدون من أجلها اللجان والملتقيات. لا شيء يبعث على الالتزام بأي نظام مثل وضوحه وجدية القائمين عليه ومساواته بين الجميع في الواجبات والعواقب.