ما هو الجديد الذي قدمه اللقاء الثقافي الثالث الذي عقده مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني خلال الأسبوع الماضي في مدينة جدة؟ لقد تابعت باهتمام عبر وسائل الإعلام نقاشات ونتائج اللقاء ولم ألحظ جديدا على الرغم من خطورة الموضوع الذي تصدى له اللقاء وهو: (القبلية والمناطقية والتصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية).

لقد أقر حضور اللقاء بوجود القبلية والمناطقية والمذهبية والتصنيفات الفكرية وهذا واقع، وقالوا إن الولاء لأي منها على حساب الوطن يهدد الوحدة الوطنية وهذا معروف، وأفادوا خلال نقاشاتهم أن التنوع في بلادنا يمكن استثماره ليكون مصدر قوة لا تشرذم وهذا صحيح، ونددوا بالعصبية والتعصب التي تجعل هذا التنوع مشكلة وهذه بديهية، وكانوا صريحين واضحين وهم يطرحون كيف تحولت جوانب بعض هذا التنوع إلى تنابز يفضي إلى التنافر والتباغض وهذه الصراحة ميزة، واختلفت نظراتهم ـ وهذا طبيعي ـ حول التصنيفات الفكرية من مناد بحرية التفكير والتعبير إلى داعية للحجر عليهما، وخرج اللقاء بعدة توصيات منها أن انتقاد الخطاب الديني ليس انتقادا للدين مع التحذير من الخلط بين العادات والتقاليد وبين ثوابت الدين، وأهمية تنمية الوعي الثقافي لقبول التنوع والتعدد واستيعاب الجميع، ومطالبة وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم بتكريس هذه المفاهيم الحضارية، ونحو ذلك من التوصيات التي لا تخرج عن توصيف تعددية المجتمع وضرورة استثمارها لتقوية اللحمة الوطنية.

والآن سأعود وأسأل مرة أخرى ما هو الجديد في اللقاء؟ لن أجيب لأنه لا معاناة تشبه معاناة تفسير البديهيات، فالذي يحب قبيلته أو منطقته أو مذهبه أو منهجا فكريا معينا ويتغنى به ويمجده لا يضر الوحدة الوطنية إلا عندما يتحول هذا الحب والتغني والتمجيد إلى مصالح تصب في رحاب من يحب ويتغنى ويمجد على حساب الآخرين من خارج القبيلة أو المنطقة أو المذهب أو المنهج الفكري، بمعنى أن يكون هذا المحب الممجد المتعصب صاحب منصب أو صلاحية أو منبر بحيث يعطي لمن يحب ويمجد كل مصلحة مادية أو ميزة معنوية ويحرم الآخرين من القبائل أو المناطق أو المذاهب والمناهج الأخرى ما يستحقونه لأنه لا يحبهم ولا يميل إليهم ولا يتعصب لهم، وهنا تكون كارثة الوحدة الوطنية وهنا يكون التباغض والتنافر الذي يقوم كله على أساس الشعور بالغبن والقهر والظلم، ومثل هذا الخلل لا يمكن السيطرة عليه بالتوعية وحدها إذ لا بد من نظام عادل صارم دقيق لا يستثني أحدا يعطي كل ذي حق حقه بوضوح وعدالة وموضوعية، ويحمي كل إنسان من جهل وتعصب وسطوة وطمع وجمود أخيه الإنسان، فحين تحمى كرامة وحقوق الإنسان الفرد بقوة النظام، فإن ولاءه حتما سينصرف إلى النظام الوطني الذي حماه وكرمه، وبالتالي تصبح الوحدة الوطنية في مأمن من غلاة الحب والتعصب لمناطقهم أو قبائلهم أو مذاهبهم أو غير ذلك من الأفكار والتيارات.

نعم التوعية مهمة: وسائل الإعلام عليها دور، المؤسسات التعليمية والتربوية مهمة، منابر المساجد تتحمل مسؤولية، لكن قبل ذلك كله ومعه وبعده لا بد من النظام الصارم العادل المطبق على الجميع الذي يحمي كل مكونات الوطن ابتداء بحقوق الإنسان الفرد ومرورا بالأموال العامة والمشاريع والمنشآت وانتهاء بوردة يقطفها مستهتر من حديقة عامة.

إن الحوار الصريح الواضح مهما بلغ وامتد لن تكون له تأثيرات عامة جامعة مانعة مثل النظام، ولهذا تمنيت لو أن الزميل علي موسى الذي ختم مقاله يوم الخميس الماضي بقوله: ادعوهم إلى حوار وطني. بعد أن تحدث عن النعرات القبلية وفضائياتها، أقول تمنيت لو أنه ختم مقاله بالقول: الزموهم بنظام وطني. فهذا طرف الخيط الذي عاد الزميل العزيز وحاول الإمساك به في مقاله اللاحق يوم الجمعة.