وتباعاً، وفي مقال ثالث، سأناقش عنوان الحوار الوطني الأخير، بعد أن انتهيت من القبيلة والمناطقية، وسأصل لقضية التصنيف الفكري. وكنت في السابق بشكل شخصي أرفض حتمية هذا التصنيف وأحاربه. اليوم لا أرفضه في المطلق وأحاربه فقط من زاوية وحيدة: إن كان هذا التصنيف يعني الإخراج من الملة لأن هذا مدخل بالغ الخطورة.

والصحيح أننا لا بد أن نقبل بأننا متباينون متمايزون. وحتى داخل الخطاب الواحد فإن حرب الأفكار لا يمكن لها أن تسمح بتعميم الإطار لنعتبر ذات الخطاب مدرسة واحدة. انظروا في ثورة الانقلاب التي يحدثها رائد الحداثة عبدالله الغذامي ضد مدرسته القديمة من الليبراليين. إنه بالضبط لا يسلخ جلده كما يظن البعض ولكنه يقول إن ذات الجلد لم يكن لوناً واحداً ولن يكون. انظروا بالمثال أيضاً ذات الحراك المجلجل الذي يحدثه الدكتور سلمان العودة في قلب الخطاب الإسلامي، ومن سيقرأه بكل عمق التحليل قد يجد فيه نزعة ليبرالية تناقض طروحات (سلفية) المنطلق. لكن الصحيح أنه يتحدث عن (الحرية) التي يراها في تحليل نصوص هذا الدين العظيم وكل الفارق ما بين الحرية المنضبطة في قوله وبين مفهوم (الليبرالية) ليس إلا مرجعية اللغة. الليبرالية هنا صرف لاتيني لغوي بينما الحرية جذر لغوي عروبي. نحن إذاً مصنفون فكرياً تماماً مثل تصنيف النبات والأشجار، ومثل الحياة نفسها التي لم يخلقها الله زوجاً واحداً فريداً لا نظير له. نحن نخطئ تماماً إذا ما حاولنا إلغاء الفكرة المقابلة والرأي المقابل والمذهب الآخر والقبيلة المقابلة والمدرسة المجاورة لأن هذا إلغاء للفطرة التي خلق الله الناس عليها ونحن نهدر جهودنا الفكرية في هذا العبث بمحاولة إلغاء ما برهنت قصة الإنسان على هذه الأرض استحالة إلغائه. هذه هي الحروب الفكرية العربية التي حاولت فيها حضارات ومجتمعات من غيرنا ومن قبلنا أن تخوضها فوصلت إلى نهاية العدم. اكتشفت أنها لا تستطيع إلغاء ما لا يلغى. نحن مثل كل شواهد التاريخ لا بد أن نقبل بالتصنيف الفكري.