يُعد تمكين المرأة من أحد أهم مستهدفات برنامج التحول الوطني 2020، لدوره المهم في تحقيق مضمون البرنامج في مساراته المختلفة وتطلعاته، وذلك بالاستفادة من مواردنا البشرية الوطنية المؤهلة لتمكينها من المشاركة في عملية البناء الوطني بقطاعاته المختلفة، وللمساهمة في استثمار مواردنا الوطنية المختلفة للرفع من قيمة إنتاجنا المحلي وتنويع قاعدته الاقتصادية، بما ينعكس على رفاه اجتماعي ورخاء وطني عام.
ويعتبر التعليم والتدريب بمستوياتهما المتباينة ودرجاتهما المختلفة اللبنة الأولى في منهج التمكين، والقاعدة التي ينطلق منها تمكين المرأة في المجالات المختلفة، وبجودة التعليم وتنوع تخصصاته يكون العطاء المتميز في أدائه بمختلف مساراته ومشاركاته الوطنية، وخلال التدريب يكتمل التأهيل علمياً وميدانياً، فجودة الثمار من جودة الزراعة والرعاية للبذرة في مراحلها الأولى، وبذلك نضمن العطاء والتميز الذي نطمح إليه.
ويعني التمكين في أسلوبه البسيط وفلسفته الأولية العمل على تيسير حصول المرأة على مقومات ومهارات ومعرفة تناسب قدراتها وإمكانياتها المتاحة في ظل ما يحيط بها من ظروف مختلفة، ومن خلال تلك الممكنات تستطيع المرأة العمل على تأمين حياتها، وحياة من تتحمل مسؤوليتهم المعيشية باختلاف الظروف التي تعيشها، سواء أكان ذلك من خلال مشاركتها في سوق العمل الميداني أو من خلال العمل عن بُعد عبر وسائل الاتصال المتقدمة المعاصرة، أو حتى من خلال حسن إدارتها وقيادتها لأفراد أسرتها بما يمكنهم من التميز والإبداع.
وبفضل من الله فإن الدولة اهتمت بتعليم المرأة منذ عقود، وقد أولتها القيادة رعاية خاصة واهتماما ملحوظا في بيئتها التعليمية وفي مجالات تدريبها المتاحة، بما يناسب الرؤى الاجتماعية المختلفة، وبما لا يخالف العقيدة الدينية، وبما يحفظ حقوقها ومتطلباتها في ظروف العمل المختلفة التي يمكنها العمل فيها، بما يضمن لها الأمن الوظيفي والمهني والاجتماعي.
وفي إطار تمكين المرأة كمستحق وطني وفي ضوء متطلبات التنمية البشرية المستدامة، فإن المملكة تفوقت على الكثير من دول العالم المتقدم وليس العربي منها فقط في نسبة مشاركة المرأة في المجالس البرلمانية، والتي بلغت (19.9%) من نسبة الأعضاء الممثلين، والذي مكنها من المساهمة والمشاركة في صنع القرار خلال وجودها ضمن لجان وإدارات تتحمل المسؤوليات العليا في مجلس الشورى، ومن خلاله تمكنت كذلك من مناقشة العديد من القضايا التي تهم الأسرة والمجتمع الوطني بصفة العموم، وقضايا المرأة على وجه الخصوص، والتي ما زالت تشكل تحدياً على الأمن والاستقرار الأسري والمجتمعي من جهة، وعلى سُبل تمكين المرأة المواطنة كما تستحق من جهة أخرى.
وعلى الرغم من أن المرأة المواطنة أثبتت جدارتها وأهليتها، بالتميز والإبداع المعرفي والمهني الذي ترجمته الكثير من نسائنا المواطنات إلى منجزات نشهدها ونلمسها، إلا أن المرأة السعودية لا زالت تطمح للكثير من المساهمات، ولا زالت تتطلع لمزيد من الفرص الوظيفية اللائقة بها، في ظل ما تمكنت به من علم ومهارة وتدريب في العلوم المختلفة، والتي كان الفضل فيها للدولة بدايةً باهتمامها بتعليم المرأة وتنوع تخصصاتها، ولنسائنا الطموحات فيما تمكن فيه من علم وإنجاز يفخر به الوطن.
ولعله من المناسب استعراض بعض من بيانات مساهمة المرأة المواطنة في سوق العمل الوطني لنتبين حجم انخفاض مشاركتها رغم ما تمكنت منه من تعليم وتأهيل، يستحق به الاستثمار لطاقات بشرية وطنية متوفرة ولكن مهمشة، بل وتعاني من البطالة، إذ تشير إحصاءات الربع الثالث من عام 2018 إلى أن مشاركة المرأة المواطنة في سوق العمل الوطني بلغت 8.4% فقط من جملة المشتغلين فيه، وذلك بعد أن كانت 8% في نهاية عام 2017، وأن نسبة الإناث الباحثات عن عمل تشكل 83% من جملة الباحثين في عام 2018، وذلك بعد أن كانت النسبة 84% في عام 2017.
ولعله من المفارقات أن تقرير التنمية البشري الدولي 2018 يشير في جانبه الخاص بتمكين المرأة، إلى أن نسبة النساء المتخرجات من العلوم والرياضيات والهندسة والبناء والصناعة التحويلية على مستوى التعليم العالي للفترة من 2007- 2017 في المملكة 17.4% من جملة الخريجين، وهي نسبة مساوية للمخرجات ذاتها للنساء في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك رغم تفوق الكثير من الدول الأخرى المتقدمة كروسيا والدول الاسكندنافية وغيرها على تلك النسبة، ومن جهة أخرى فإن التقرير ذاته يفتقر إلى نسبة النساء المشاركات في الإدارات العليا والمتوسطة بالنسبة للمملكة، ولجميع دول مجلس التعاون وذلك للفترة من 2009- 2017، بينما ترتفع تلك النسب إلى فوق 30% و40% في الدول المتقدمة كالدول الاسكندنافية وروسيا وبعض الدول الأوروبية، وبالطبع فإن عدم وجود بيانات، يرتبط بعدم توفرها أو لكونها ضئيلة ولا تستحق الذكر.
نحتاج لتفعيل الكثير من محتوى الخطط التنموية وبرامج تمكين المرأة بصورته الوطنية المستهدفة، بطرح مزيد من الفرص الوظيفية اللائقة بتعليم المرأة وبمكانتها الاجتماعية، وبما يكفل أمنها واستقرارها، وبما يساهم في حفظ كيانها وإنسانيتها، بعيداً عن المهاترات والتلاعب في رفع نسبة توظيف المرأة في القطاعات المختلفة على حساب صون المرأة وحفظ كرامتها، باستغلال واضح لحاجتها للعمل واستغلال جهات التوظيف للدعم الخاص بتوظيف المرأة، من خلال توظيفهن في وظائف لا تليق بالمرأة المواطنة ولا تحفظ لها أمنها ودينها ولا تحقق الغرض المستهدف من توظيفها.
مما لا شك فيه أن الافتقار إلى وجود نظام عمل ينظم ويراقب ويتابع واقع التوظيف في سوق العمل الوطني، ويحكم ما فيه من تعديات وتهميش لمشاركة المواطن اللائقة، يترتب عليه أخطاء لا يمكن تجاهلها أو السكوت عنها، وعلى مرأى ومسمع من وزارة العمل التي ما فتئت تطرح المبادرات والبرامج المختلفة، التي لم تثمر حتى الآن عن تخفيض نسبة البطالة أو رفع نسبة التوظيف، بنسب تستحق الذكر، وذلك ما أكدته البيانات الإحصائية لمسح سوق العمل 2018 في الإصدار الأخير.