في نصف قرن حققت مدينة الرياض نمواً حقيقياً ملموساً على مختلف المستويات يفوق ما حققته العديد من عواصم الدول الأخرى. خلال 40 عاماً قفزت مساحة الرياض 54 ضعفاً، من 45 كيلومترا مربعا في عام 1970م إلى 2435 كيلومترا مربعا في عام 2009، لتتفوق بذلك على مساحة جزيرة سنغافورة بأكثر من 3 أضعاف ولتزيد عن مساحة مملكة البحرين بحوالي 4 أضعاف.

وتعدّ الرياض واحدة من أسرع مدن العالم في النمو السكاني، الذي شهد قفزات متوالية عبر السنوات العشر الأخيرة بمعدل 4%، ليصل عدد سكانها إلى 4,878,723 نسمة في عام 2009، يشكل السعوديون منهم 68% وغير السعوديين 32%. وبعدد سكانها أصبحت الرياض تتساوى اليوم مع مجموع عدد سكان الدول الخليجية الخمس الأخرى.

بعد أن جرى تحديثه في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الجمعة الماضي، يطالعنا الموقع الرسمي للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض على شبكة الإنترنت، ليشير إلى أن متوسط عدد السيارات لكل أسرة في الرياض، مكونة من 5 أفراد، يساوي 1,7 سيارة ليفوق عدد السيارات التي تجوب شوارع الرياض 1,658,765 سيارة. وأضافت إحصائيات مركز التعداد السكاني في الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان المملكة، الذي كان لايزيد عن 3 ملايين نسمة في عام 1950، سيقفز 10 أضعاف ليصل إلى 31 مليون نسمة في عام 2015م، ومن ثم سيتضاعف ليفوق 62 مليون نسمة في عام 2050م، لتحتل المملكة المرتبة 29 في العالم في عدد السكان وتتفوق بذلك على بريطانيا العظمى التي ستقع في المرتبة 30 بعدد 58 مليون نسمة.

الزيادة المتوقعة في عدد سكان المملكة سوف تنعكس بشكل لافت للأنظار على تضخم عدد سكان الرياض إلى أكثر من 11 مليون نسمة بحلول عام 2050، وتتبع ذلك زيادة في عدد السيارات لتفوق 3,740,000 سيارة، طبقاً للنمو المتصاعد في معادلة موقع الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. هذه الإحصائيات الواقعية تحتاج إلى خطة استراتيجية محكمة وجهود حثيثة مكثفة لوضع مدينة الرياض على قائمة أفضل عواصم العالم في توفيرالخدمات الأساسية وتحقيق الأهداف التنموية لسكان العاصمة.

نحن اليوم نعيش مرحلة عصيبة من مراحل التنمية، ندفع الغالي والنفيس لتطوير عاصمتنا وتنظيمها وتحقيق آمالها، إلا أننا ما زلنا نسعى لبناء ناطحات السحاب والمجمعات التجارية والأسواق العامة والمدارس والمساجد والورش الصناعية دون التخطيط لكيفية الوصول إليها والتنقل بينها وتوفير المواقف الخاصة بمرتاديها. ونحن اليوم نغدق مئات الملايين على توسعة شوراعنا وتعريض طرقاتنا وسفلتة أرصفتنا، لتستخدم كمواقف محتكرة للسيارات المتكدسة وتعيق انسياب المرور وتسبب الاختناقات في شرايين العاصمة.

نحن اليوم نعيش في أحضان خطوط النقل الكهربائي التي اخترقت الضواحي السكنية، ونتعايش مع مطار دولي تراجع مركزه أمام منافسة المطارات الخليجية، ونتواصل مع وزارات خدمية انحسرت خدماتها لصعوبة ومشقة الوصول إليها والتنقل بينها.

تطوير مقومات عاصمتنا وتعزيز موقعها الاستراتيجي كأفضل عاصمة في نادي العالم الأول يحتاجان منا إلى المزيد من الجهد والعديد من المقترحات، التي من أهمها:

أولاً: تنفيذ المخطط العمراني الشامل وتنسيق مجاله الحضري المتكامل، من خلال تحديد حدود الأحياء والبلديات، وتوزيع الخدمات الأساسية من مساجد ومدارس ومستشفيات وفروع المؤسسات العامة ضمن مخططاتها المعتمدة، وتوفير الخدمات التحتية الأساسية على أطرافها.

ثانياً: إلزام كافة المباني الجديدة، بما فيها المساجد والمجمعات التجارية والمباني المكتبية، بنظام "كود البناء"، والاشتراط عليها ضرورة تأمين المواقف الخاصة للسيارات قبل الحصول على رخصة البناء.

ثالثاً: نقل مواقع الوزارات الخدمية، مثل التجارة والصناعة، والعدل، والزراعة، والنقل، والتربية والتعليم، والمالية، والاقتصاد والتخطيط، والمؤسسات العامة الأخرى من وسط الرياض إلى ضواحيها، وربط فروعها داخل الأحياء والبلديات بشبكة من تقنية المعلومات لرفع كفاءة أدائها وتسهيل أمور مراجعيها وتيسير أعمالهم وتخفيف تنقلاتهم.

رابعاً: تطوير مطار الملك خالد الدولي، من خلال تحديث صالاته المتقادمة وربط مدرجات الطائرات بشبكة سيور متحركة تحت الأرض لسهولة انتقال المسافرين، وبناء مجمعات للمؤتمرات والمعارض والفنادق الكبرى في محيطه.

خامساً: تحقيق الأمن البيئي، من خلال تطبيق برامج ومشاريع فرز النفايات المنزلية والمخلفات الصناعية وطرق التخلص منها وإعادة تدويرها، وإزالة مخلفات البناء وتسوير المواقع والأراضي الفضاء على حساب أصحابها، واستبدال أبراج الضغط العالي بخطوط الكهرباء الأرضية.

سادساً: توفير وسائل النقل السريع بين الأحياء والمدارس والجامعات والمستشفيات وتنظيم مواقيتها ومواقفها المحددة ضمن منظومة متقنة ومتقدمة من الشركات المساهمة للنقل الجماعي رفيع المستوى، مثل خطوط السكك الحديدية المعلقة والباصات المكيفة الآمنة والتاكسي الجوال الذكي، وذلك للتخلص من جحافل "المايكروباص" غير الحضارية وأسراب "الليموزين" المتهالكة.

سابعاً: استكمال البنية التحتية للمدينة الذكية التي بدأتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والهادفة لنشرالخدمات المعلوماتية وتطبيقاتها في المجتمع السعودي ودعم تحويله إلى الاقتصاد المعرفي. وهذا يؤدي إلى توفير خدمات الاتصال المتطورة لجميع الأفراد وقطاع الأعمال في مختلف الأماكن العامة، بما فيها المطارات والمتنزهات والمكاتب والمستشفيات والجامعات والمدارس والمنازل، بالإضافة إلى توفير الخدمات الحكومية إلكترونياً بشكل آمن وميسر للمستخدمين عبر مواقع مقدمي هذه الخدمات المرخص لهم من الهيئة.

هذه المقترحات لتصبح الرياض أفضل مدن العالم، وليس أكبرها مساحةً وسكاناً فقط.