وإذا أشغلت مصر بحرب الطائفية البغيضة فعلى بقية عالمنا الخاص السلام، فما هو عالمنا العربي والإسلامي دون أهل الكنانة الذين قال عنهم المصطفى: "عليكم بأهل الكنانة فإنهم في رباط إلى يوم الدين". لا تطلب قنابل الإرهاب في قلب الكنائس المصرية من مصر إلا شيئا واحدا محددا: أخرجوا أهل مصر من مصر. هذه القنابل العطشى للدماء إنما تزايد على ابن الخطاب وابن العاص وعلى آلاف الصحابة الكرام الفاتحين الذين بذروا جذور التعايش. لا أحد يعرف ـ مصر ـ في كل لغات الدنيا وكل أوراق التاريخ القديم والحديث إلا باسمها الأصل: (Egypt)، خمسة حروف مشتقة من مفردة (القبط). هذه هي مصر التي تعرفها كل الدنيا منذ سبعة آلاف سنة إلى اليوم فماذا تريد قنبلة واحدة تنفجر لثانيتين كي تزيف سبعة آلاف سنة؟ وكل ما يحزنني على مصر وأهل مصر هو ذلك الصمت على مخطط من الجهل والتعصب لا يهدف إلا لاقتلاع الجذور وطرد بعض أغصان مصر من شجرة مصر. كل ما يحزنني أن في عالمنا الإسلامي آلاف المراجع والعلماء مثلما فيه عشرات المؤسسات الدينية التي لم تصدر بيانا حتى اللحظة. كل ما يحزنني أن ذات فضيلة الشيخ المصري أفرغ برنامجه ـ الأشهر ـ المباشر والأكثر انتشارا على كل فضاءات العرب دون أن يعرض لقصة هذه ـ المصر ـ بكلمة واحدة.

ومرة ثالثة، كل ما يحزنني هو هذا الصمت، لأن في صمت أهل الحل والعقد، كما هم يسمون أنفسهم، رسالة بليغة إلى ذات المجرمين ينيرون بها دروبهم في الخطوة القادمة. هذا الصمت المريب ينسى أن المستهدف الحقيقي ليس الكنيسة ولا جثة عشرين قبطيا قتلوا بلا سبب. المستهدف الحقيقي هو هذا الدين العظيم الذي نصادر كل تاريخه الوسطي المتعايش المتسامح بشظايا قنبلة مثلما هو هذا الدين العظيم مستهدف وهو يتصدر نشرات أخبار الدنيا بكل لغاتها وكأنه وراء هذه القنبلة. كل ما يحزنني هو هذا الصمت المطبق حتى من أولئك الذين قرؤوا دون شك رسالة المصطفى الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى مسيحيي نجران بكل ما لهذه الرسالة الفريدة وما فيها من مضمون أخلاقي وإنساني أتحدى أن يكتب قبله أو بعده مثلما كان فيها، وعلى طول تاريخ البشرية ولكم أن تعلموا أن هذه الرسالة، كانت أطول رسالة كتبها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فلم يتكلم عنها أحد ولم يحاضر حولها أحد.

يحزنني أن قصة الفاروق مع عبدالله بن عمرو بن العاص هي اليوم مجرد بضع كلمات في جملة شاردة منسية تصادرها قنبلة مريضة لا جملة لديها إلا أن تقول: أخرجوا أهل مصر من مصر.