في هذه الأيام يدور نقاش في المجالس العامة، وينشر في وسائل الإعلام المختلفة بعض الأخبار، أو الآراء، أو التقارير، أو النقاشات حيال واقع التعليم العام ووضعه الحالي. وحقيقة الأمر أن حكومة خادم الحرمين الشريفين أولت التعليم بمختلف مراحله اهتماماً كبيراً. وأكبر دليل على ذلك هو تخصيص نسبة كبيرة من ميزانية العام المالي 31/ 1432هـ لقطاع التعليم والتدريب إيمانا منها بأنه استثمار حقيقي في المواطن وللوطن.

وتسعى وزارة التربية والتعليم في استثمار ما يتم تخصيصه من إمكانات بشرية، وموارد ماليه للرقي بالعملية التعليمية، ومن ضمن هذه الجهود في هذا المجال ما تم إنجازه حيال المناهج التعليمية. ومع ما بذل من جهود إلا أن هناك بعض الملحوظات التي يمكن مناقشتها حيال تطوير مناهج التعليم العام بمختلف مراحله، ومن هذه الجوانب التي هي بحاجة إلى توضيح ما يلي: التمييز بين بعض المصطلحات التي ترد بين الحين والآخر على ما تم إنجازه في المجال التعليمي مثل: مفهوم تطوير المناهج، ومفهوم تغيير المناهج، ومفهوم إصلاح التعليم. وهنا أرى أن المجال التربوي يتم تطويره بشكل كلي، أو جزئي، أو يتم تغيير بعض جوانبه تغييراً كليا، أو جزئياً، ولا ينطبق مفهوم "الإصلاح" على المجال التربوي؛ لأن هذا المفهوم مرتبط بدرجة كبيرة بالجوانب المادية، والتجهيزية مثل إصلاح الأجهزة بمختلف أنواعها من خلل، أو عطل أصابها. أما المجال التربوي فيناسبه التطوير، أو التغيير حسب الحاجة، والأهداف المحددة لذلك.

ولعله من المناسب أن نأخذ العنصر الأول من عناصر العملية التعليمية في مراحل التعليم العام، وهو المنهج بمفهومه الشامل، حيث قامت الوزارة بوضع خطة لتطوير مناهج التعليم العام. وهنا أود أن أشيد بالجهود المبذولة في هذا المجال مع وجود بعض التساؤلات التي أترك الإجابة عنها للمسؤولين عن تطوير المناهج بالوزارة. ومن هذه الأسئلة ما يلي: هل ما تم حيال المناهج تطوير أم تغيير ؟ وهل ما تم إنجازه من تطوير أو تغيير كلي أم جزئي للمناهج؟ هل تمت معرفة واقع المناهج السابقة وتقييمها من خلال دراسات علمية دقيقة قبل البدء في التطوير، أو التغيير؟ وهل شمل التطوير أو التغيير للمناهج جميع عناصر المنهج ممثلة في الأهداف، والمحتوى، والوسائل التعليمية، وطرائق التدريس، وغيرها من الجوانب الأخرى؟ هل المحتوى ملائم للبيئة التي يعيش فيها الطالب، ومرتبط ببيئته؟ هل تمت مراعاة التقدم التقني الذي نعيشه عند تطوير المناهج، أو تغييرها؟ هل تمت مشاركة المعلمين المتميزين، والمشرفين التربويين فيما تم إنجازه في هذا المجال؟ هل كانت نتائج التطبيق التجريبي للمناهج الجديدة مرْضية ؟ ولماذا لم يتم تنفيذ ندوة أو عقد حلقات نقاش حيال هذه النتائج؟ هل تم الاهتمام بخبرات الطالب السابقة وقدراته في أثناء المراحل التي مر بها تطوير، أو تغيير المناهج؟ هل تم تدريب المعلمين على تدريس هذه المناهج التي تم إنجازها ؟ هل كان لأولياء الأمور رأي أثناء تطوير هذه المناهج ؟ هل تمت الاستفادة من تجارب الآخرين الذين سبقونا في مجال تطوير المناهج ؟ وكيف كانت أوجه الاستفادة إذا كان هناك استفادة؟ هل تم النظر في العوامل الثقافية والاجتماعية عند تطوير هذه المناهج أو تغييرها؟ هل تم حساب الإمكانات البشرية والمادية في المدارس عند تطوير هذه المناهج؟ ولدي الكثير من الأسئلة في هذا المجال، وجميع الأسئلة السابقة بحاجة إلى توضيح من العاملين في وزارة التربية والتعليم بشكل مفصل، ودقيق لكي نكون على بّينة عما تم توظيفه، وإنجازه في هذا المجال.

وأنا على يقين أن عملية تطوير المناهج ليست بالعملية السهلة، لذا لا بد من التخطيط لهذه العملية بشكل دقيق على أن يشمل ذلك التخطيط لجميع المراحل اللازمة لتطوير المناهج التعليمية، ويشمل جميع العاملين في المجال التربوي، وقبل ذلك لا بد من إجراء بعض الدراسات الاستشرافية التي تيسر بعض الجوانب في عملية تطوير، أو تغيير المناهج التعليمية للتعليم العام.

وهنا أرى أن يكون كل من المتعلم، والمعلم، وولي الأمر، والمبنى المدرسي جاهزا لهذا التطوير أو التغيير، فالمتعلم إذا لم يدرك أهمية هذا التطوير لمناهج التعليم، ويعرف دوره في تلك العملية وبشكل واضح ومحدد لن يستفيد من هذا المنهج بالشكل المطلوب، ولذلك من الضروري تهيئة المتعلم وتزويده ببعض المهارات، والجوانب اللازمة لإنجاح هذا المنهج، فالمناهج الجديدة تركز بشكل كبير على عمليات عقلية عليا ليس لدى طلابنا خلفيات سابقة عنها، أو ممارسات سابقة عليها، وهذا قد يولد ردة فعل سلبية لديهم حيال هذه المناهج، كذلك المعلم بحاجة للتدريب على هذه المناهج الحديثة، وكيفية تنفيذها بالطريقة الصحيحة ؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك هناك حاجة ملحة لتقديم دورات مكثفة للمعلمين حيال هذه المناهج قبل تعميمها.

كما أن أولياء الأمور بحاجة إلى معرفة أبعاد هذه المناهج الجديدة، فأغلب أولياء الأمور – إن لم يكن جميعهم – متعلم ولهم دور مكمل لدور المدرسة في عملية التعليم، والتعلم، وقد يكون ذلك ممكناً من خلال لقاءات في المدارس مع أولياء الأمور حيال هذه المناهج الجديدة أو المطورة، ومن خلال برامج إعلامية مكثفة قبل تنفيذ هذه المناهج وفي أثناء تنفيذها.

وبعض المناهج المطورة تتطلب إمكانات مادية غير متوافرة في المدرسة أو في بيئة المتعلم، لذلك لابد من توفير هذه المتطلبات قبل تطبيق هذه المناهج لكي يتم تنفيذها في بيئة تعليمية مناسبة، بعيداً عن الاعتماد على التنفيذ النظري الذي قد يتم التوجه إليه في حالة عدم توافر الإمكانات الضرورية لهذه المناهج من وسائل تعليمية، وتقنيات حديثة، وغيرها من المستلزمات التعليمية ؛ فالتطوير، أو التغيير للمناهج التعليمية لا بد أن يشمل كافة جوانب المنهج، ولا يركز على جانب ويهمل جوانب أخرى، فبذلك لن يكون له تأثير إيجابي على العملية التعليمية.