يقول معالي وزير الثقافة والإعلام، وهو يتحدث إلى مجموعة من الإعلاميين والمثقفين في مبنى هذه "الوطن"، قبل الأمس، إن مقاربة حرية التعبير في إعلامنا المحلي مع نظيره العربي تبرهن أن لدينا مساحة وردية من الحرية لا يمكن إنكارها لمجرد السوداوية أو التململ. ومن واقع تجربتي فإن كلام معالي الوزير يقارب كمال الحق إن لم يكن يطابقه. كيف نحافظ على هذه المساحة؟ والجواب في كلمتين: بالحرية المسؤولة وبالشجاعة المنضبطة. والذي يشاهد معالي الوزير أثناء مداخلتي الشخصية إليه، وهو يغرق من الضحك، ويستقبل كلماتي بصدر مفتوح سيدرك أن جهاز رقابتنا الرسمي بالغ الأريحية وواسع الحدود، وهو ما حدا بصديقي اللدود، أحمد عسيري، لأن يقول في القاعة، إن علي الموسى لو كان مع وزير ثقافة وإعلام من الذين يتشدقون بحرية التعبير، لخلع ما بقي من أسناني ولربما خرجت من باب القاعة إلى باب المخفر. كان معالي الوزير يبتسم بنشوة وأنا أقول له إنه الوزير الذي سيكتبه التاريخ لأنه زارنا في هذه المنطقة يوم كسوف الشمس وكأن الوزراء لا يأتون إلينا إلا مع الكوارث الطبيعية أو الميتافيزيقية. عندما نتناحر في الطوابير من أجل قطرة ماء أو عندما تنزع أرواح المساكين بالعشرات في حادث للنقل الجماعي بالعقبة. كان يصفق عندما قلت له إننا سئمنا هنا أن نكون ـ الكومبارس ـ في المشروع الثقافي الوطني، وإنني أعترض بشدة أن نكون مجرد ـ فرقة رقص ـ يأخذنا معالي وزير الثقافة إلى هوامش الأيام السعودية في بكين أو لندن. نحن كتلة ثقافية فيها كتائب الشعراء وحزمة الدعاة وكوادر أساتذة الجامعات وبنية المثقفين، وكل هؤلاء يستحقون أن يكونوا جزءاً من التمثيل الوطني في الأيام السعودية الثقافية. استمع معالي الوزير إلى أسئلة الجميع الساخنة. استمع لقصة هذه "الوطن" التي نعتقد ونؤمن أنها إن مثلت شيئاً فإنما تمثل خلاصة مشروع تنموي جبار وعصارة أفكار كبرى مرت بها هذه المنطقة في مشوارها البنائي الجميل الطويل، ومن الخطأ بمكان أن نتفرج على ـ كسوف جزئي ـ لأي مشروع فكري أو ثقافي. قدر وزير الثقافة أن المثقف بطبعه متشائم وقدره أن الإعلام مارد لحوح لا يستنطق إلا الأسئلة المحرجة، لا أعتقد أن معالي الوزير يملك القدرة على تغيير دورة الأفلاك كي يتحاشى زيارتنا يوم كسوف الشمس، وكل ما كان أنه بالقدر زارنا يوم الكسوف وله إن شاء أن يأخذ هذه الصدفة من باب الدعابة أو من نافذة الرسالة الجادة الساخرة. كل ما قلت له ونحن نودعه أن هذا المكان لن يكسف.