إحدى مفارقات الحرب ضد حركات التمرد هي أنه يجب عليك أن لا تطلق النار أحياناً، إذا أردت حماية نفسك. يذكر دليل مكافحة التمرد في الجيش الأمريكي لعام 2006 أنك أحياناً تخلق أعداء جددا بصورة أسرع من القضاء على الأعداء الموجودين، عندما تقتل الأبرياء حتى دون قصد. يقول مايكل أوهانلون في تحليل نشرته مؤسسة "بروكينجز" للأبحاث في أواخر أبريل المنصرم إن الجنرال ديفيد بترايوس طبق هذه السياسة في العراق، وإن الجنرال ستانلي ماكريستال طلب من جنوده عدم طلب المساندة الجوية، إلا في حين التعرض لهجوم أو عندما يكون من السهل تحديد الأهداف المسلحة.

لكن نظام تسليح الجيش الأمريكي لا يزال يغفل هذه الحقيقة الأساسية، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة غير القاتلة. منذ فترة قريبة، اتهمت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرة أخرى باستخدام النيران القاتلة لتوقيف سيارة تجاهلت الإشارة لها بالتوقف، واتضح أنها كانت تقل ركاباً أبرياء فقط؛ أي إن قوات الناتو تطلق النار أحياناً على سيارات لا تمثل أي خطر عليها. ربما كان من الأفضل أن يطلق الجنود أولاً النار على عجلات السيارة أو على المحرك. لكن السائق يكون عادة هدفاً أسهل، خاصة عندما تقترب السيارة بسرعة من حاجز التفتيش مثلاً. وبسبب حركة السيارة والأصابع المرتعشة للجندي عند إحساسه بالخطر، كثيراً ما يصاب ركاب آخرون في السيارة.

هذا لا يعني بالطبع انتقاد الجنود الذين يضطرون لإطلاق النار لأنهم يجدون أنفسهم في خطر حقيقي. ولكن إذا كان الجندي لا يمتلك سوى خيار استخدام السلاح القاتل، فمن الطبيعي أنه سيستخدمه، لأن ذلك هو رد الفعل الطبيعي عند الإنسان عند التعرض للخطر. لكن الجنود يجب أن تكون لديهم خيارات أفضل.

في منتصف تسعينات القرن العشرين، أنشأت وزارة الدفاع الأمريكية برنامج الأسلحة غير القاتلة وأصدرت الأمر الإداري رقم 3000.3 للتأكيد على أهمية الأسلحة غير القاتلة. وكانت تجربة القوات الأمريكية في الصومال ومناطق أخرى وراء ذلك القرار. لكن على مدى عقد من الزمن، لم يتلق برنامج الأسلحة غير القاتلة سوى تمويل بسيط لم يتعد 20-40 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ غير كاف على الإطلاق لمثل هذا البرنامج. ورغم أن المبلغ زاد ليصل مؤخراً إلى حوالي 150 مليون دولار سنوياً، إلا أنه لا يقارن بمبلغ 100 مليار دولار يتم إنفاقها على الحرب سنوياً؛ أو الـ 80 مليار دولار المخصصة لأبحاث وتطوير البنتاجون؛ والـ 5 مليارات دولار التي تصرف سنوياً لتحسين العربات العسكرية.

في هذا العصر من التكنولوجيا المتطورة، يجب أن يكون ممكناً إيقاف السيارات المشبوهة دون الحاجة لقتل السائق. أحد الحلول الممكنة مثلاً التوصل إلى ترددات لاسلكية قادرة على تعطيل الأجهزة الإلكترونية فوراً في السيارة. التقنيات غير القاتلة المتوافرة حالياً، مثل الشبكات أو مسامير الإطارات أو الأسلحة السمعية، يمكن استخدامها للسيطرة على المشاة أو على السيارات التي تقترب من حواجز التفتيش، لكنها غير كافية لمواجهة حالة سيارة تبرز فجأة في مكان غير متوقع. إن تخصيص 150 مليون دولار فقط لمعالجة هذه المشكلة غير كاف على الإطلاق.

إن التزام القادة العسكريين في أفغانستان بعدم استخدام القوة القاتلة، إلا في حالات الضرورة، لم يمنع وقوع حوادث ذهب ضحيتها أبرياء في كثير من الحالات. وهذه الحالات تزيد من غضب الشعب الأفغاني على قوات الناتو وقد تعرِّض مهمة هذه القوات للفشل. لذلك بدلاً من مطالبة الجندي بعدم القيام بعمل قد يعرض حياة المدنيين للخطر، يجب توفير المعدات التي يحتاجها للقيام بمثل هذه المهمة دون أن يعرض حياته للخطر أيضاً.