ربما تابعتم أخبار الهجوم المسلح الذي شنه أحد الشباب المتطرفين على تجمع للحزب الديموقراطي في ولاية أريزونا يوم السبت من هذا الأسبوع، وذهب ضحيته 18 شخصاً، بين قتيل وجريح. وهذا الاعتداء المسيّس تعبير واضح عما وصلت إليه روح العداء بين التوجهات السياسية المتناحرة في الولايات المتحدة، خاصة في هذه الولاية التي أصبحت بؤرة للتطرف السياسي. وربما كان السبب الأول في حدة هذا التناحر هو فشل الحكومة الأميركية في استعادة عافية الاقتصاد، خاصة في مجالي البطالة والدَّين الحكومي.

في شهر أكتوبر كتبتُ في الوطن متسائلاً تحت عنوان "الثورة والثورة المضادة: نهاية حقبة أوباما؟" عما إذا كانت الانتخابات النيابية النصفية في الولايات المتحدة ستؤدي إلى ثورة مضادة يقودها الحزب الجمهوري لإلغاء ما سنّته حكومة الرئيس أوباما من تشريعات خلال العامين الماضيين، ووقف المد الذي بدأ بتوليه سدة البيت الأبيض. وبصرف النظر عن هجوم أريزونا، بدأنا هذا الأسبوع نرى ملامح هذه الثورة المضادة على المستوى التشريعي في الكونجرس.

وكما هو معروف خسر حزب الرئيس في انتخابات نوفمبر الماضي الأغلبية التي كان يتمتع بها في مجلس النواب، وأصبح الحزب الجمهوري حزب الأغلبية في ذلك المجلس. أما في مجلس الشيوخ، فما زال الحزب الديموقراطي يمثل الأغلبية، ولكن تلك الأغلبية تقلصت إلى حد كبير.

ونظراَ إلى أن معظم قرارات الكونجرس لا تصدر إلا بموافقة المجلسين، فإن فقدان الأغلبية في أحدهما يعني عدم القدرة على تمرير التشريعات التي ترغب الإدارة في سنها إلا بعد مساومات وتنازلات كثيرة سيتعين على الرئيس والحزب الديموقراطي أن يقدماها للحزب الجمهوري.

وقد جاءت انتصارات الحزب الجمهوري على متن موجة غضب شعبية بسبب استمرار الكثير من أعراض الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة بعد أكثر من سنتين من بدئها في خريف عام 2008، وبطء الخطط التحفيزية المهولة التي تبنتها الحكومة في تخفيض البطالة بشكل ملحوظ، أو وقف مسلسل الإفلاسات على مستوى الأفراد والشركات.

وعلى الرغم من التقارير الاقتصادية التي تُظهر أن الاقتصاد الأميركي قد بدأ مرحلة الانتعاش، إلا أن المواطن العادي ما زال يعاني من عقابيل الأزمة، وأصبح من السهل على المجموعات اليمينية المتطرفة تأليب المواطنين على الرئيس وأنصاره من الديموقراطيين.

وقلما عومل رئيس أميركي في العقود الأخيرة، ربما منذ أيام الرئيس نيكسون الأخيرة، بمثل المعاملة القاسية التي يتلقاها الرئيس أوباما حالياً في الإعلام اليميني، ليس فقط حيال سياساته، بل امتدت إلى التشكيك في دينه ومولده وولائه، إلى غير ذلك من التخرصات التي نراها على شبكة الإنترنت.

وقد فوجئتُ لدى زيارتي للولايات المتحدة بعمق المعارضة التي يكنها بعض المواطنين البسطاء للرئيس باراك أوباما، متعدية النطاق الموضوعي والعقلاني، حيث تدور في أذهانهم عنه خزعبلات أخرى تغذيها وسائل الإعلام الموازي، خاصة الإنترنت والصحف الصفراء.

ومع أن الجمهوريين ليسوا بالضرورة مصدر كل هذا الهجوم الشخصي على الرئيس، إلا أنهم يستفيدون منه في معركتهم معه، والتي بدأت ملامحها في الوضوح هذا الأسبوع. فحال عودة الكونجرس من إجازة رأس السنة يوم 5 يناير، شن الجمهوريون هجوماً تشريعياً صاعقاً، قائلين إنه سيستمر عشرين يوماً، وأمطروا الكونجرس بمشاريع قوانين تهدف لإلغاء ما أقره الكونجرس سابقاً من تشريعات جاءت بمبادرات من الرئيس أو حزبه. وسيبدأون، حسب الخطة التي أعلنت الأسبوع الماضي، بقانون الرعاية الصحية الذي سيطرحون مشروع قانون لإلغائه يوم الجمعة القادم، متلوا بمشاريع قوانين أخرى خلال الأسابيع القادمة لتقليص النفقات الحكومية على البرامج الاجتماعية على وجه الخصوص.

ومن اللافت للنظر أن الجمهوريين يقومون بهذه التحركات وهم ما زالوا حزب الأقلية، فالكونجرس الجديد لن يبدأ أعماله إلا في 24 يناير، أي أن الكونجرس بمجلسيه ما زال في يد الديموقراطيين إلى ذلك التاريخ، ولكن ذلك لم يمنع الجمهوريين من بدء المعركة، ومن الأغلب أنهم لن يطلبوا التصويت على مشاريعهم إلى أن تنتقل الأغلبية لديهم، ولكن لهم هدفين، أولهما المحافظة على الزخم الذي شعروا به بين أنصارهم بعد انتخابات نوفمبر، والثاني هو الضغط على حزب الرئيس لتقديم تنازلات حتى قبل أن يُضطر إلى ذلك لدى فقدانه الأغلبية في مجلس النواب بعد أسبوعين.

ويعتمد الجمهوريون كما أشرت على الغضب الجماهيري الذي تم حشده وتجييره لصالح الحزب الجمهوري، على الرغم من أن هذا الحزب تقليدياً هو أبعد ما يكون عن الاهتمامات الاقتصادية للمواطن العادي، فهو حزب الأغنياء والشركات الكبرى، وسيسعى بلا شك إلى خدمة مصالح هاتين المجموعتين، ولكنه سيستفيد من الغضب الشعبي الذي يؤلبه يومياً خطباء التلفزيون والإذاعة والإنترنت، ويصورون فيه الرئيس أوباما على أنه مصدر جميع الأدواء التي تعانيها أميركا، من الفشل العسكري إلى الكساد الاقتصادي، مع أنها كانت قد بدأت واستفحلت في عهد سلفه الرئيس جورج بوش، ولكن للناخب ذاكرة قصيرة.