الأفكارالمطروحة في هذا المقال بعث بها إليّ أحد المعلمين المتخصصين في مجال علم الإدراك COGNITION. واسمه ساجد خان يملك مركزا خاصاً للبحوث في مدينة واشنطن. وعرفته عن طريق الأمير تركي الفيصل الذي أرسل له هذا الباحث مجموعة من إنتاجه أثناء عمله سفيرا هناك فأحالها الأمير إليّ أثناء عملي في الوزارة، واستمر تواصلي مع الباحث عن طريق استمراره في إرسال كل إنتاجه إليّ مباشرة منذئذٍ. والباحث يعمل على دراسات في الإدراك الذي يعتبر البحث فيه نادراً ومتخلفاً، نظرا لطبيعة هذا النوع من البحث الذي يحتاج إلى حالات معينة يتعرض فيها المخ لعوارض أو حوادث أو حالات خاصة تتم دراستها. ولندرة ذلك من جانب ولاعتراض ذوي الذين يتعرضون لمثل هذه الحالات على مستوى العالم، من جانب آخر بقي علم الإدراك بين شد وجذب في نتائج قليلة ومتناقضة كما نرى في النظرية النصفية للدماغ Hemispheric Theory التي نسخها هاوارد جاردنر أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد في كتابة المتميز "The New Science of Mind " واستبدلها بما يمكن ترجمته بالنظرية "الفصيّة" التي أثبت فيها أن الدماغ ليس غرفتين فقط كما هو الاعتقاد السائد لفترة طويلة، اليسرى منها عقلاني واليمنى خاصة بالحركة واللهو ويربط بينهما رابط اسمه corpus callosum ليضمن عملهما متعاونين وإنما هو عبارة عن فصوص صغيرة لكل منها مهمة محددة. ويمكن العودة للكتاب المذكور لمزيد من التفاصيل.
أردت بهذه المقدمة الإشارة إلى أهمية ما يطرحه الباحث في رسالته للمعلمين الذين يحملون رسالة سامية ومقدسة هي رسالة الأنبياء التي قال فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم" إنما بعثت معلما"
في هذا البحث يغوص الباحث في أعماق العقل مستخدماً مصطلحات علمية وطبية شديدة التعقيد ليثبت أن نجاح المعلم وتميزه مرتبط بدرجة وصول العقل إلى مستوى الحكمة wisdom .وأود أن أشير إلى أن الباحث يتناول هذا المفهوم من جانب علمي في البحث بعمق في: كيف يمكن صرف العقل لهذه القيم المتميزة وثباته عليها؟ لكنني سأتجنب الخوض في المصطلحات وأعرض فقط القيم التي وصل إليها والتي تميز المعلم بشكل مبسط.
يقول الباحث: إن المعلم الحكيم يكون معلماً متميزاً حتى إذا كان عائده المادي متواضعاً ومعلماً متميزاً إذا كان جاداً ومن حوله مهملين أو مقصرين، ومعلماً متميزاً إذا كان صبوراً ومن حوله يتذمرون.
ومعلماً متميزاً بما لديه من إمكانات وغيره يتحجج بضعف الإمكانات.. ومتميزاً إذا كان قريباً من طلابه المقصرين والمؤذين والضعفاء وغيره يسرد المبررات بتقصير طلابه وأذاهم ومشاغبتهم.. يحترم جميع الطلاب وغيره لا يعدل في المعاملة.. يحبه الجميع وغيره شللي في مقر عمله.. يلاحظ حاجات طلابه العاطفية التي تعيق تقدمهم التعليمي والتربوي وغيره لا يحس بها.. يعلم طلابه العاطفة والمحبة لما يتعلمونه وغيره يهمشها.. يكسب طلابه مهارات التحدي وغيره يسطحها.. مستمر في تدريب نفسه والارتقاء بمستواه وغيره خامل.. يسعد بإنجازات طلابه ويعتبرها أكبر المكافآت وغيره ينتظر المكآفات المادية.. ذكرت ذلك لأحد الأصدقاء وعلق قائلاً:
يا أخي هذه صفات الأنبياء.. ولاعتقادي أن من يقرأ هذه الصفات قد يصل إلى نتيجة هذا الصديق.. أرد بنفس الرد الذي رددت به عليه: إن مثل هذا الرد هو الذي يقف حاجزاً دون إنجازاتنا.. دائماً نستصعب الأمور ونستصعب الإنجاز.. غير مدركين أن العمل الجاد الناجح المستمر يتطلب جهداً والإنجاز العظيم له ثمن، هذا الثمن هو الجد والمثابرة.. التي تتطلبها الحكمة التي تتطلب بدورها أن نعي تماماً أننا إذا أردنا أن ننجز فإننا سنصل إلى الإنجاز. وهذه ليست مثالية..
ويسأل الباحث هنا كيف يكون المعلم حكيماً؟ وكيف يمكننا أن نُكسب الحكمة لمعلمينا؟
ويستعير مصطلح "العين الثالثة" من بل غيتس الذي يقول: كل فرد لديه عين ثالثة حتى أنت، إنها موجودة دائماً لكن يجب تطويرها إلى أكبر مدى نحتمله. لابد من تطوير كامل إمكانياتك potentials.. إنها أكبر قوة كامنة خامدة داخلك.. أيقظها ودربها واجعلها مسؤولة عن كل سلوكك وابتعد بسلوكك عن كل ما يثبطه.. وأرسل كل المثبطات إلى هامش الشعور ليحل محلها سلوك الحكمة الذي يقود إلى نقاط التميز التي ذكرناها.. المثبطات ذكريات غير سارة إذا احتلت مركز الشعور قامت بدور القيادة للسلوك.. لينحدر مستواه وينحدر معه الإنجاز.. ووضع هذه الذكريات في الهامش تحل محلها الحكمة ويبدأ معيار الإنجاز في الارتفاع.. هذا مستوى من التفكير لا يعجز المعلمون عن فهمه. فهم قادة الفهم ورواده الحقيقيون.
إذا احتلت الحكمة مركز الشعور فستقوم بالسيطرة على تأثير المثبطات والمبررات وستحول بينها وبين العقل الواعي المدبر والسلوك المميز.. والعكس صحيح.. إذا سيطرت المثبطات والمبررات على بؤرة شعور المرء فسيكون عقله في حالة خلل.. ويتبع ذلك إنجاز خامل متواضع لا قيمة له ليكون التحول من قيم عالية إلى قيم متدنية.. الحكمة هي حالة متقدمة في الفكر.. يميزها أنها حالة قوية.. إذا استدعيت إلى العقل أصبحت في حالة صراع مع المبررات والمثبطات والذكريات السلبية التي تكون قد سيطرت على العقل لفترة طويلة.. والجميل في الأمر أنها بميزة القوة التي تتصف بها ستكون المنتصرة في هذا الصراع.. والأجمل أنه مع التقادم في ممارسة حالة الفكر المتقدمة هذه ستضعف المبررات والمثبطات والذكريات السلبية مع التقادم لتحتل الحكمة كل مساحات العقل وتكون ملكته، حتى يصل المرء إلى اكتساب صفة الحكمة.. ويقال إن فلاناً حكيم.. وكل المطلوب هو إيقاظ هذا الجانب وتدريبه ووضعه موضع المسؤولية في عقلك.. واجعله هو المسؤول عن كل سلوك بما في ذلك السلوك العقلي..
الحكمة دائماً موجودة، فقط تحتاج إلى إيقاظ وتحتاج أن تُسَّلم القيادة في العقل..
انظر بعد ذلك إلى مستوى عملك.. ومستوى إنجازك وإلى النتائج المتميزة بالحكمة التي تحققها، وهذا هو الأهم.