كان من المفترض أن نواصل في هذا الحديث مناقشتنا لموضوع التنمية الذي بدأنا به قبل أسبوعين. لكن سرعة تداعي الأحداث، ومخاطرها على الوجود والمستقبل تفرض علينا الانتقال لمواضيع الساعة. وهي مواضيع مؤرقة ومقلقة، تأخذ من حصة الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، والوحدة الوطنية، وتهدد بتفكك دول واشتعال حروب أهلية، في بقاع كثيرة من بلداننا العربية, والأكثر إيلاما، أن حالة التردي تتمدد بشكل لافت للنظر، لتشمل بلدانا عربية جديدة، كانت حتى أيام قريبة خارج دائرة العنف، بما يجعل قلقنا مشروعا، لأن معنى ذلك، إن قدر لحالة التردي هذه أن تستمر وتتسع، هو تعميم حالة الانهيار لتشمل البلدان العربية بأسرها.

ففي الأيام الأخيرة، انضمت تونس إلى ركب البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار، بسبب انتشار ظاهرة البطالة، وشهدت الجزائر أيضا مشاكل مماثلة، نتمنى أن يتمكن المخلصون من أبناء البلدين من احتوائها لما فيه خير الشعبين الشقيقين.

و في اليمن مواجهات مستمرة بين السلطة وبين الحوثيين، والحراك الجنوبي وتنظيم القاعدة، ضحاياها في الغالب هم الأبرياء، من شعب اليمن، وأفراد مؤسسته العسكرية. ولا يوجد في الأفق ماينبيء بقرب وجود حلول للأزمات المستعصية في هذا البلد الشقيق.

وفي ليلة عيد رأس السنة، حدثت جريمة تفجير نكراء في كنيسة القديسين بالإسكندرية. كان حصادها إزهاق أرواح الأبرياء، وانتشار حالة من الخوف والفزع. والهدف هو تسعير الاحتراب الطائفي والمذهبي وتعميم ظاهرة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وإلحاق مصر، قلب العروبة النابض، بأتون محرقة الحروب الأهلية المشتعلة الآن في عدد من الأقطار العربية.

الجريمة في شكلها متماهية حد التطابق، مع ما يحدث في العراق، منذ احتلاله في نيسان عام 2003م، وشبيهة تماما بالأعمال التي تنسب لتنظيم القاعدة. سيارة مفخخة، توضع في غفلة قريبا جدا من المكان المستهدف، فتنفجر عند ساعة محددة، يكون الناس فيها في حالة جمهرة، لتصيب أكبر عدد من البشر، ممن يجرهم حظهم العاثر إلى مكان الانفجار. وكان الهدف هذه المرة كنيسة قبطية رئيسة، وعشية عيد الميلاد، وقبل أسبوع من عيد الأقباط.

وجنوب السودان قد انتهى من الخارطة العربية، وأصبح ضمن قائمة المصروفات، والخشية إن لم يتم تدارك الأمر في وقت مبكر، أن يتحول إلى خنجر آخر مسموم، في الخاصرة الجنوبية للأمة العربية. وربما تبع ذلك انفصال إقليم دارفور في وقت لاحق، والقائمة لا تزال مفتوحة.

هل نبتعد كثيرا إن نحن وجهنا أصابع الاتهام فيما يجري للقوى الخارجية. سيقول كثيرون إن ذلك هو ديدننا نحن العرب. نتهرب من قصورنا وعجزنا عن مواجهة مشاكلنا، ونجعل من القوى الخارجية مشجبا نعلق عليه خيباتنا. والواقع أن هذا القول صحيح تماما، فنحن من أكثر الناس تكرارا لنظرية المؤامرة. وصحيح أيضا أننا نتناسى كثيرا عوامل الاحتقان الداخلية، ونتهرب من مواجهتها، ومقابلة الاستحقاقات التي تؤمن السلم الاجتماعي في بلداننا. ولا جدال في أن كثيرا مما نعانيه مرتبط إلى حد كبير، بحالات الاحتقان الداخلية التي تعاني منها بلداننا العربية. لكن الصحيح أيضا، أننا من أكثر الأمم تضررا بمشاريع الهيمنة الدولية، وقد عانت أمتنا من ظلم وجور القوى الكبرى، ومن نتائج حربين عالميتين مدمرتين.

لقد كان لسايكس بيكو ووعد بلفور إسقاطاتهما على حيلنا الدفاعية، ودفعنا لتحميل القوى الخارجية مسؤولية ما يجري من انهيار في منطقتنا. لكن ذلك ينبغي في كل الأحوال، ألا يجعل وعينا مفقودا بما يحاك لهذه الأمة من مخططات تفتيتية، تستثمر الاحتقانات الداخلية، لتحقيق اختراقاتها، ووضع استراتيجياتها قيد التنفيذ.

وفي هذا السياق تتداعى الأمثلة: أو لم يحتل الفرنسيون المغرب العربي بأسره؟ أو لم يشرد شعب فلسطين، ويقام كيان بديل على هذه الأرض بلغة الاغتصاب والقوة والنفي؟ أم لم يأت جيش جرار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ليحتل أرض السواد؟ وقائمة الأسئلة طويلة....

أما عن المشاريع التي تستهدف الأمة، فالأسئلة تطرح نفسها بشكل أكثر إلحاحا. هل من الصدفة أن يتطابق ما يجري في منطقتنا الآن، مع نص وثيقة معهد راند التي صدرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق مباشرة، تحت عنوان الاستراتيجية الكبرى. وقد قيل في حينه، إن التقرير أعد ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، لما بعد الحرب الباردة، وحمل إنذارا واضحا بتفتيت بلادنا. ووقع الوثيقة عشرات من صقور الإدارات الأمريكية المختلفة، منذ السبعينيات من القرن المنصرم، من ضمنهم الكيسندر هيج ودان كويل وهنري كيسنجر وبريجنسكي، بما يضفي عليها أهمية أكبر. وقد اعتبرت "الاستراتيجية الكبرى" احتلال العراق خطوة تكتيكية. وبالنسبة لمصر، أشارت الوثيقة بوضوح إلى أنها ستكون الجائزة الكبرى. وعلى من يرغب في زيادة واستزادة، زيارة موقع راند للدراسات الاستراتيجية. وبه تقارير كثيرة متاح الإطلاع عليها للجميع.

مشروع الهيمنة على المنطقة لا يتم وفق صيغة أو تراتبية واحدة. فتفتيت العراق، حدث بصيغة تكليف جيش أمريكي جرار، تكفل باحتلال عاصمة العباسيين، بينما يجري تفتيت السودان تحت شعار حق تقرير المصير للجنوبيين، وتأمين حقوق الإنسان ومنع جرائم الإبادة في دارفور. وفي اليمن يأخذ التفتيت شكل حرب أهلية بين الحكومة المركزية والحوثيين، وبينها أيضا وبين الحراك الجنوبي، والقاعدة. وفي الصومال، يحدث الصراع بين قوى إسلامية متناحرة، وهكذا دواليك، لكل حالة أسلوب خاص، لكن الهدف يبقى واحدا، ويتلخص في تفتيت الأمة إلى كانتونات ودويلات، تقوم على أسس التوافق والقسمة بين الإثنيات والطوائف.

ويبقى أن نواصل مناقشتنا لهذا الموضوع، في الحديث القادم، علنا نستطيع أن نضع لبنة على طريق مواجهة مشاريع التفتيت، وإعادة الاعتبار للوحدة ولمفهوم الدولة الوطنية بصيغتها المعاصرة.