قرأت أمس ما يستدعي التوقف عنده للتأمل والتساؤل، الدكتور عبدالرحمن الهدلق مدير عام إدارة الأمن الفكري بوزارة الداخلية، لابد أن تتوفر لديه معلومات لا تتوفر لغيره بحكم موقعه الوظيفي الهام جدا، ولهذا فإن ما يقوله يأخذ أبعادا مهمة جدا، أهم بكثير مما يقوله أي متابع أو دارس يعتمد على ما يقرؤه أو يسمعه أو يلاحظه، لأن الدكتور في موقع يعتمد فيه على المعلومات لا على الآراء والقراءات.
لقد توقفت عند تبرئة الدكتور للمناهج الدراسية من تهمة الانحراف الفكري أو الإرهابي – وفق ما نشرت الوطن أمس نقلا عن محاضرته التي ألقاها في الرياض– وحجة الدكتور في ذلك أن الجرعة الدينية في المناهج في العقود السابقة كانت أكبر مما هي عليه في السنوات الأخيرة ومع ذلك لم تظهر أية بوادر للانحراف آنذاك، ومع أنه لم يكن واضحا أمامي المقصود بالعقود السابقة والسنوات الأخيرة، إلا أن الدكتور بتحديده لأعمار المنحرفين بين 18 إلى 25 سنة جعلني أخمن أن العقود السابقة هي التي سبقت 1980 وأن السنوات الأخيرة هي العقود الثلاثة الأخيرة التي اكتشفنا فيها مظاهرالانحراف وخلايا الإرهاب، ولأنني أريد أن أفهم لا أكثر فليت الدكتور يجلّي هذه النقطة الهامة التي دار ومازال يدور حولها نقاش كبير وتبذل من أجلها جهود كبيرة في وزارة التربية والتعليم مع أهمية التوضيح إن كانت التبرئة تشمل المدارس بما فيها من معلمين ونشاطات لا صفية أم تقتصرعلى المناهج فقط؟
هذا جانب أما الجانب الأهم والأخطر الذي أورده الدكتور بعد أن عزل المناهج عن التأثير، فهو نظرية الفاءات الثلاث التي يثير ترتيبها العديد من الأسئلة إذ جاءت على النحو التالي: فتيان ساخطين منظمين (لاحظوا ساخطين ومنظمين)+ فلوس + فكر منحرف عنيف = إرهاب.
إن هذه النظرية تتطلب شرحا وتوضيحا مهمين خاصة مسألة السخط والتنظيم السابقتين للفكر المنحرف، فالسخط له أسباب حتما، وتنظيم الساخطين له أرباب، فمم السخط ومن هم منظمو الساخطين، وما علاقة هذه الخطوة الأولى بالفكر المنحرف الذي تم تركيبه أخيرا عليها ليصبحوا إرهابيين، أما الفلوس فلعلها واضحة سواء كان مصدرها ظاهرا بحسن نية أو باطنا بهدف خبيث.
إن توضيح الأمر وتجليته من جانب الدكتور وأمثاله ممن يملكون معلومات دقيقة وواقعية مهمان جداً في سبيل التوعية، التي تبدأ من عند نقطة السخط بحيث يمكن معالجة هذا الساخط وتفكيك وتحليل أسباب سخطه قبل أن ينخرط في تنظيم الساخطين، وقبل أن يصل إلى مرحلة تشرب الفكر المنحرف العنيف، هذا إذا كان ترتيب النظرية التي أوردها الدكتور دقيقا ومقصودا ومسنودا بمعلومات وما أظنه إلا كذلك نظرا لموقع الدكتور.
إن تجلية الأمر وتوضيحه يساعدان ليس في الفهم فقط بل وفي العلاج ومساندة جهود العلاج فمن الواضح أن هناك ما يسبق الفكر المنحرف بل وأهم منه لأنه يمثل أرضيته الخصبة.