للكاتب الأرجنتيني الأشهر خورخي لويس بورخيس عبارة ذائعة عن المكتبات تقول: أنشئ مكتبة ولو من ثلاثة كتب، وستقاوِم جزءا من قُبح العالم. فكل مكتبة هي صفعة على وجه العالم. لا يكاد يمر شهر إلا ويصدر كتاب جديد يتحدث عن المكتبات وتاريخها، عن نشأتها ونكباتها، عن حرائقها وأسرارها. في أغسطس من السنة الماضية صدر كتاب جديد لمؤرخ المكتبات الأسترالي ستيوارت كيللس عن المكتبة بوصفها «قائمة للعجائب». وقد صدر الكتاب عن دار Text Publishing (ميلبورن- أستراليا) في 288 صفحة من القطع المتوسّط. يصطحب سيوارت كيللس القارئ في رحلة يتقصّى فيها تاريخ المكتبات، ما بين مكتبات أثرية قديمة، ومكتبات علمية، ومكتبات شخصية لأدباء ومفكّرين، ومكتبات سرية مُتخيّلة.
الكتاب مكوّن من خمسة عشر فصلا قصيرا، يبدأ بفصل بعنوان: «مكتبة بلا كتب»، وينتهي بفصل بعنوان «رسالة حب»، يتخللها فصول عن مكتبة الإسكندرية، وفصل بعنوان في بلوغ الكمال عن نشأة التدوين والفهارس، وفصل عن تاريخ مكتبة الفاتيكان، وآخر عن التواريخ السرية للمكتبات والتصميمات العجيبة لبعض مكتبات القرون الوسطى، وفصل عن أمناء المكتبات، ساردا سيرة أفضل أُمناء المكتبات وأسوئهم على مدار التاريخ، وفصل عن قصص احتراق المكتبات في التاريخيْن القديم والمعاصر، وفصل بعنوان تسميم راهب: عن المكتبات المُتخيّلة (مثل مكتبة بورخيس اللانهائية، ومكتبة تولكين مؤلّف رواية سيد الخواتم، ومكتبة الدير البينيدكتي التي رسمها أومبرتو إيكو في روايته اسم الوردة).
في مقدمة الكتاب يروي كيللس حكاية حدثت له شخصيا قبل عشرين سنة حينما كان طالبا يدرس في معهد البحوث الاجتماعية، حيث قاده شغفه بمعارض بيع الكتب القديمة إلى العثور على كتاب نادر يعود لسنة 1800، فيقع في غرام الكتب النادرة، لتبدأ بعدها رحلات تواصلت على مدار عشرين سنة، طاف خلالها -أحيانا في صحبة أسرته- بلدان العالم، متقصيا تواريخ المكتبات، ومزادات الكتب النادرة، وعلاقة البشر بالمعرفة. يبدأ كيللس كتابه بحكاية وقعت سنة 1938 لواحد من أشهر عشاق الكتب في القرن العشرين، الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، حيث كان يركض صاعدا درجات سلّم منزله عشية عيد الميلاد، فيرتطم رأسه بدرابزين السلّم، ليرقد بعدها في غيبوبة بين الحياة والموت. بعد تعافيه، يكتب بورخيس قصّته الأشهر «مكتبة بابل»، التي تخيّل فيها العالم على هيئة مكتبة لا نهائية. يلاحظ كيللس أن الشكل الذي تخيّله بورخيس بوصف العالم مكتبة، أو نصًا كونيًّا ينفتح على عدد لا نهائي من التأويلات، ينطبق على النصوص السردية العظيمة في التاريخ، دينية كانت أم أدبية.
في فصل بعنوان أيام الأخيرة لمكتبة الإسكندرية، يتناول كيللس الجذور اللغوية لمنشأ كلمتيْ مكتبة library وكتاب book، فيقول إن جذور الكلمتين (liber من اللاتينية وتعني لُحاء الشجر، ومفردة bece/beech تعني الخشب، وكلتاهما تعودُ إلى الأشجار/ الطبيعة بوصفهما المصدر الماديّ لصناعة الكتاب، منوها بمكتبة الملك رمسيس الثاني (سنة 1200 قبل الميلاد تقريبا) الذي أسّس مكتبة عظيمة حَوَت جميع مصادر صناعة الكتاب وقتها (لفائف البردي، الألواح الطينية، رقوق جلود الماشية، إلخ). ينتقل كيللس إلى حوادث حرق المكتبات في الأدب وفي التاريخ، ضاربا المثل برواية إلياس كانيتي «الإعدام حرقا»، وحرق بطل الرواية عاشق الكتب المجنون بيتر كِين لمكتبته وموته داخلها بعد صراع ضد العالم. يربط كيللس بين حريق مكتبة رواية كانيتي الشهيرة وبين حريق مكتبة الإسكندرية، فكلاهما نتج عن عمى البصيرة. يطرح كيللس الفرضيات التاريخية المُحتملة لحريق مكتبة الإسكندرية، ما بين قضاء وقدر، وبين تدمير متعمّد على يد جنود الإمبراطور الروماني أورليان سنة 237 قبل الميلاد. لكن النتيجة واحدة، فقدان ثروة نادرة من المخطوطات عن العالم القديم وفلسفته وآدابه (فقد 83 عملا لأسخيلوس من أصل 90، وفقد 62 عملا ليوريبيديس من أصل 80 والقائمة طويلة).
في فصل بعنوان «في بلوغ الكمال» ينوه كيللس بالفترة الذهبية للمكتبة، وهي فترة القرون الوسطى. ففي القرون الوسطى كانت أغلب مكتبات أوروبا ملحقة بالكاتدرائيات الكبرى، حيث بدأ عصر الفهرسة العلمية الدقيقة في عصر القديس بنيدكتوس. مشيرا إلى ازدهار المكتبات في العالم العربي وفي الشرق الأقصى. كذلك شهد العالم العربي اهتماما خاصا بالمكتبات، مثل مكتبات قرطبة ومكتبة بغداد ومكتبة القاهرة في عهد الفاطميين. واستمر ازدهار المكتبات العامة حتى عصر الرينيساس (النهضة)، الذي شهد تعاظم الاهتمام بالمكتبات الشخصية، حيث شرع الإيطاليون بداية من منتصف القرن الخامس عشر الميلادي في اقتناء الكتب، وفي تكوين خزانة كتب شخصية في أروقة منازلهم. في ختام الفصل يشير كيللس إلى واقعة لافتة عن النبيل الإنجليزي إيرل هنري برسي (القرن السادس عشر)، الذي وصف حجرة كتبه الصغيرة «بالجنة»، وهو الوصف ذاته الذي استخدمه بورخيس لوصف المكتبة.