على الغلاف الخلفي لمجموعته "بأقصى زرقة ممكنة" ـ الصادرة توّا عن طوى للنشر والإعلام ـ يكتب ماجد العتيبي ما يشبه البيان الشعري الشخصي: (أحاول الكتابة عن الأشياء التي لا ينتبه لها أحد.. كالبراغي، سدادة الفلين.. وقطع النقود المعدنية تحت مقعد السيارة...). وكأنه ميثاق تصنيفي يعهد به إلى قارئه قبل أن يدلف إلى الكتاب بتوقعات سوف تخيب إذا كان انتظاره لغير نُثار الحياة الذي يعبر ويمر ويسقط من المشهد لفرط هامشيّته وهشاشته في قلب اليوميّ الصلب. يريد العتيبي لنصّه أن يكون خاليا من الأوهام ومن القضايا. ينزعه من الحقل العام ويعيد شتله في حقله الخاص الذي يتبرّأ حتى من اسمه المصبوغ بالمجال الاجتماعي والثقافي. يفكّك الصحراء وجهارة لونها الأصفر، ويعمد إلى جهة البحر منغمسا في الزرقة يستمدّ الاسم وإعادة صوغ الحياة: (لا أصدق أن اسمي ماجد/ ربما وضعه أحدهم عند بابنا، وهرب/ متأكد أنه أزرق/ وأن الأمر التبس على شهادة ميلادي/ بدليل أنه كُتِب في بياناتها/ بخط أزرق عميق). إنها هويّة تنسكب في الأزرق وتنتشر مظلّة على أجزاء الكتاب الأربعة من "أزرق يضع عطره" إلى "أزرق يطوي جلده".
وإذا كان الأزرق سمة خارجية وشارة لونية ظاهرة؛ فإن المكافئ لها تعبيريا ينسحب أيضا إلى الخارج وإلى الظاهر. الحياة الداخلية لا يجري التبئير عليها. يظل الخارج موضع عمل النص لكن من زاوية هي النقيض لما اعتدنا عليه. ثمة قلبٌ وخربطة و"هزّ للسياق" تتفتّق عنه الشعريّة وإنْ بقيت مخلصة للإطار الذي لن يعود إطارا إلا بالاسم، يخلخله "الأزرق الصغير" على سبيل المكاشفة الجذريّة التي تجد في التمرد قريناً يتمرأى فيه وبواسطته ينكتب الاسم والرسم ويتخلّق النموذج: (يشبهني هذا الذي لم تمس الريح أنفه بعدُ/ ولم يكتب اسمه في الأوراق الرسمية بعدُ/ يشبهني هذا الكامن في التفاصيل، كحبكة/ وفي أحشاء أمه، كنموذج).
الخارج الذي يعيد الكاتب الاشتغال عليه، يخلّصه من جديّته وصرامته. يخلع عنه رداءه ويلفّعه بالأسمال. يداويه بجرعة زائدة من الصدق تتخفّف من الكذب والنفاق والمداجاة. ينحسر الستر والغطاء؛ فيتبدّى الجلد وحده عائما في السخرية. هذه السخرية هي أداة ماجد العتيبي الرئيسية في نقض الخارج ونفض أخلاقيّته الزائفة. وتكاد هذه الأداة أن تصبح المعلم الذي نميّز به نص العتيبي: (الناس هنا/ يفتحون أكياس القمامة؛/ كي يجدوا قصة جديدة/ لنهايات الأسبوع/ يدحرجون أعينهم من تحت الباب/ يلقونها في جيبك/ يدلّون آذانهم وأنوفهم من السطوح/ على البلكونات ومراوح الشفط/ كي يحكموا قبْضَكَ بألسنتهم).
السخرية وإنْ تكن فضّاحة ومباشرة، إلا أنها عندما تمارس في عبق الحرية وبحسن تدبير؛ تصبح كاشفة عن المجتمع وفي الوقت نفسه علامة شعرية، وأحسب أن ماجد العتيبي نجح في هذا المسعى.