منذ أن بدأت موجة التطرف التي اجتاحت بعض الدول العربية ومنها السعودية، تعطي نتائجها إرهابيا وقتلا منظما للأبرياء، والكثير من الكتاب والمثقفين، ينادون بتغيير الاستراتيجية الإعلامية تجاه مظاهر التطرف قبل أن يصبح إرهابا. حيث كانت المطالبات تصب في خانة التأكيد على أن الشفافية في نقاش أسس تلك المشكلة وعدم تغطيتها بكلام إعلامي عام لا يفيد شيئا ـ هو العلاج الجذري للمشكلة، حتى وإن سبب هذا العلاج ألما للبعض.
ومع ذلك تفاوت الطرح الإعلامي الرسمي على وجه الخصوص، بين محاولة الدخول في العمق، ثم العودة للقشور والسطح مما جعل دوره دورا روتينيا مملا وغير مقنع في كثير من الأحيان.
ولكن وللحق فإن استحداث برنامج تلفزيوني مثل برنامج "همومنا" الذي يبث على القنوات السعودية الفضائية مترجما للإنجليزية، يمثل نقلة نوعية في التعاون الإعلامي بين وزارة الداخلية والتلفزيون السعودي الرسمي. حيث رأينا حلقات تناقش بعمق ما يدور في كواليس تنظيم "القاعدة" من خطط تدميرية للبلاد والعباد. والأهم هنا أن حوارا مثل حوار المطلوب الأمني سابقا جابر الفيفي، استطاع أن يعطي المشاهد صورة واقعية للاستلاب الفكري والجسدي الذي يمارس على من يدخل هذه الدائرة الشيطانية، حيث يصبح بلا قرار ولا رأي ولا يعرف إلا "قادته" الذين يضعونه في النار وهم على " أرائكهم" نائمون"..!!.
وبالطبع أن هذا الكشف مهم للتوعية بمخاطر الانجرار وراء تلك الأفكار الظلامية. ولكن ما يكشفه العائدون من هذا المستنقع الفكري، يمثل النهاية الدرامية لرحلة طويلة. ولذلك فالحلقة الدرامية مفقودة، وكأننا نبدأ في مشاهدة مسلسل في حلقاته الأخيرة، دون أن نشاهد، حلقات البداية، التي تمثل تصاعد الحدث النهائي.
والمطلوب في رأيي، لكي نحاول معالجة المشكلة، بث إفادات وشهادات من عادوا أو من تداركوا أنفسهم قبل الوقوع في المحظور، وحتى قبل أن ينخرطوا في جماعات القتل ـ وهم كثر في مجتمعنا ـ منذ البدايات هنا في الداخل، بحيث يعطى هؤلاء كامل الحرية في التحدث أمام المشاهدين عمن هيأهم فكريا في الداخل قبل أن يساهم في تجنيدهم خارجيا بالأسماء والأماكن الحقيقية، ابتداء من البيت أو المدرسة أو الحي أو" الإخوة الطيبين " كما يصفهم بعض أفراد المجتمع.
فـ" همومنا" الفكرية تحتاج إلى مئات من "جابر"، لكي نضع النقاط على حروفها الصحيحة، ونعرف الداء قبل الدواء..!!.